للعفة وهي المأمور بها, ونهاه عن الظلم طلبا للعدل المأمور به, وعن الكذب طلبا للصدق المأمور به وهكذا جميع المنهيات. فعند هؤلاء أن حقيقة النهي الطلب لضد المنهي عنه, فعاد الأمر إلى أن الطلب إنما تعلق بفعل المأمور.
والتحقيق أن المطلوب نوعان: مطلوب لنفسه وهو المأمور به, ومطلوب إعدامه لمضادته المأمور به وهو المنهي عنه, لما فيه من المفسدة المضادة للمأمور به. فإذا لم يخطر ببال المكلف ولا دعته نفسه إليه بل استمر على العدم الأصلي لم يثب على تركه, وإن خطر بباله وكف نفسه عنه لله وتركه اختيارا أثيب على كف نفسه وامتناعه, فإنه فعل وجودي. والثواب إنما يقع على الأمر الوجودي دون العدم المحض وإن تركه مع عزمه الجازم على فعله لكن تركه عجزا, فهذا وإن لم يعاقب عقوبة الفاعل لكن يعاقب على عزمه وإرادته الجازمة التي إنما تخلف مرادها عجزا. وقد دلت على ذلك النصوص الكثيرة فلا يلتفت إلى ما خالفها, كقوله تعالى:{ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } البقرة 284. وقوله في كاتم الشهادة:{ فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } البقرة283, وقوله:{ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } البقرة225, وقوله:{ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } الطارق 9. وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار", قالوا: هذا القاتل, فما بال المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه" وقوله في الحديث الآخر:" ورجل قال: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما في الوزر سواء" الترمذي في الزهد رقم 2326, وابن ماجه وأحمد. وقول من قال: أن المطلوب بالنهي فعل الضد ليس كذلك, فإن المقصود عدم الفعل والتلبس بالضدين, فإن مالا يتم الواجب إلا به فهو غير مقصود بالقصد الأول, وإن كان المقصود بالقصد الأول المأمور الذي نهى عما يمنعه ويضعفه, فالمنهي عنه مطلوب إعدامه طلب الوسائل والذرائع, والمأمور به مطلوب إيجاده طلب المقاصد والغايات: وقول أبي هاشم: إن تارك القبائح يحمد وإن لم يخطر بباله كف النفس. فإن أراد