به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي, ونور صدري, وجلاء حزني, وذهاب همّي وغمّي, إلا أذهب الله همّه وغمّه, وأبدله مكانه فرحا".. قالوا يا رسول الله أفلا نتعلّمهن؟ قال: "بلى, ينبغي لمن سمعهن أن يتعلّمهن".فتضمّن هذا الحديث العظيم أمورا من المعرفة والتوحيد والعبوديّة. منها أن الداعي به صدّر سؤاله بقوله: "إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك", وهذا يتناول من فوقه من آبائه وأمهاته إلى أبويه آدم وحوّاء, وفي ذلك تملّق له واستخذاء بين يديه واعتراف بأنه مملوكه وآبائه مماليكه وأن العبد ليس له غير باب سيّده وفضله وإحسانه, وأن سيّده إن أهمله وتخلّى عنه هلك, ولم يؤوه أحد ولم يعطف عليه, بل يضيع أعظم ضيعة. فتحت هذا الاعتراف: أني لا أغنى بي عنك طرفة عين, وليس لي من أعوذ به وألوذ به غير سيّدي الذي أنا عبده, وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبّر مأمور منهي, إنما يتصرّف بحكم العبوديّة لا بحكم الاختيار لنفسه.فليس هذا في شأن العبد بل شأن الملوك والأحرار. وأمّا العبيد فتصرّفهم على محض العبوديّة فهؤلاء عبيد الطاعة المضافون إليه سبحانه في قوله:{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان } الحجر 42, وقوله:{ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنا } الفرقان63, ومن عداهم عبيد القهر و الربوبية, فأضافتهم إليه كإضافة سائر البيوت إلى ملكه, وإضافة أولئك كإضافة البيت الحرام إليه, وإضافة ناقته إليه وداره التي هي الجنة إليه, وإضافة عبودية رسوله إليه بقول: { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا }البقرة 23.{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } الإسراء 1 . { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } الجن 19 .وفي التحقيق بمعنى قوله "أني عبدك" التزام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة, وامتثال أمر سيّده, واجتناب نهيه, ودوام الافتقار إليه, واللجوء إليه, والاستعانة به, والتوكّل عليه, وعياذ العبد به, ولياذه به, أن لا يتعلّق قلبه بغيره محبّة وخوفا ورجاء.وفيه أيضا أني عبد من جميع الوجوه: صغيرا وكبيرا, حيّا وميّتا, مطيعا وعاصيا, معافى ومبتلى القلب واللسان والجوارح.وفيه أيضا أن مالي ونفسي ملك لك, فإن العبد