وما يملك لسيّده.وفيه أيضا أنك أنت الذي مننت عليّ بكلّ ما أما فيه من نعمة فذلك كلّه من إنعامك على عبدك.وفيه أيضا أني لا أتصرّف فيما خوّلتني من مالي ونفسي إلا بأمرك, كما لا يتصرّف العبد إلا بإذن سيّده, وأني لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. فإن صحّ له شهود ذلك فقد قال لي أني عبدك حقيقة.ثم قال" ناصيتي بيدك", أي أنت المتصرّف في تصرّفي كيف تشاء, لست أنا المتصرّف في نفسي.وكيف يكون له في تصرّف من نفسه بيد ربه وسيده وناصيته بيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه, وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كله إليه سبحانه, ليس إلى العبد منه شيء, بل هو في قبضة سيده أضعف من مملوك ضعيف حقير, ناصيته بيد سلطان قاهر, مالك له تحت تصرّفه وقهره بل الأمر فوق ذلك.ومتى شهد العبد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء, لم يخفهم بعد ذلك, ولم يرجهم, ولم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين, المتصرّف فيهم سواهم والمدبّر لهم غيرهم, فمن شهد نفسه بهذا المشهد, صار فقره وضرورته إلى ربا وصفا لازما له, ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم, ولم يعلّق أمله ورجاءه بهم, فاستقام توحيده, وتوكّله وعبوديته. ولهذا قال هود لقومه:{ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } هود56.وقوله :"ماض فيّ حكمك, عدل فيّ قضاؤك"تضمّن هذا الكلام أمرين:أحدهما: مضاء حكمه في عبده.والثاني: يتضمّن حمده وعدله وهو سبحانه له الملك وله الحمد, وهذا معنى قول نبيّه هود:{ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا }, ثم قال: { إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي مع كونه قاهرا مالكا متصرّفا في عباده, نواصيهم بيده فهو على صراط مستقيم.وهو العدل الذي يتصرّف به فيهم فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وقضائه وقدره وأمره ونهيه وثوابه وعقابه. فخبره كله صدق, وقضاؤه كلّه عدل, وأمره كله مصلحة, والذي نهى عنه كله مفسدة, وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله, ورحمته وعقابه لمن يستحق له العقاب بعدله وحكمته.وفرق بين