First Previous Next Last
الحكم والقضاء, وجعل المضاء للحكم, والعدل للقضاء, فإن حكمه سبحانه يتناول حكمه الديني الشرعي, وحكمه الكوني القدري.والنوعان نافذان في العبد ماضيان فيه, وهو مقهور تحت الحكمين, قد مضيا فيه, ونفذا فيه, شاء أم أبى, لكن الحكم الكوني لا يمكنه مخالفته, أما الديني الشرعي فقد يخالفه.
ولما كان القضاء هو الإتمام والإكمال, وذلك إنما يكون بعد مضيه ونفوذه,قال:" عدل في قضاؤك" أي الحكم الذي أكملته وأتممته ونفّذته في عبدك عدل منك فيه.أما الحكم فهو يحكم به سبحانه وقد يشاء تنفيذه وقد لا ينفذه, فإن كان حكما دينيا فهو ماض في العبد, وإن كان كونيا فإن نفذه سبحانه مضى فيه, وإن لم ينفّذه اندفع عنه, فهو سبحانه يقضي ما يقضي به. وغيره قد يقضي بقضاء ويقدّر أمرا و لا يستطيع تنفيذه. وهو سبحانه يقضي ويمضي فله القضاء والإمضاء.وقوله:" عدل في قضاؤك" يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه, من صحة وسقم, وغنى وفقر, ولذّة وألم, وحياة وموت, وعقوبة وتجاوز وغير ذلك. قال تعالى: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم } الشورى 30, وقال:{ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْأِنْسَانَ كَفُورٌ } الشورى 48.فكل ما يقضى على العبد فهو عدل فيه.
فإن قيل: فالمعصية عندكم بقضائه وقدره! فما وجه العدل في قضائها؟ فإن العدل في العقوبة عليها غير ظاهر. قيل: هذا سؤال له شأن, ومن أجله زعمت طائفة أن العدل هو المقدور, والظلم ممتنع لذاته. قالوا: لأن الظلم هو التصرّف في ملك الغير والله له كل شيء. فلا يكون تصرّفه في خلقه إلا عدلا.وقالت طائفة : بل العدل أنه لا يعاقب على ما قضاه وقدره, فلمّا حسن منها العقوبة على الذنب عُلم أنّه ليس بقضائه وقدره, فيكون العدل هو جزاؤه على الذنب بالعقوبة والذم إما في الدنيا وإما في الآخرة. وصعب على هؤلاء الجمع بين العدل والقدر, فزعموا أن من أثبت القدر لم يمكنه أن يقول بالعدل, ومن قال بالعدل لم يمكنه أن يقول بالقدر. كما صعب عليهم الجمع بين التوحيد وإثبات الصفات, فزعموا أنه لا يمكنهم إثبات التوحيد إلا بإنكار الصفات, فصار توحيدهم تعطيلا