First Previous Next Last
فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه, فما وجه دخول أداة "أو" في قوله : { أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ } , والموضع موضع واو الجمع لا موضع "أو" التي هي لأحد الشيئين.
قيل: هذا سؤال جيّد والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام بـ"أو" باعتبار حال المخاطب المدعو فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه, تام الفطرة, فإذا فكّر بقلبه, وجال بفكره, دلّه قلبه وعقله على صحّة القرآن, وأنه الحق, وشهد قلبه بما أخبر به القرآن, فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة, وهذا وصف الذين قيل فيهم: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقّ} سبأ 6. وقال في حقّهم:{ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }النور 35 فهذا نور الفطرة على نور الوحي, وهذا حال صاحب القلب الحيّ الواعي.قال ابن القيّم: وقد ذكرنا ما تضمّنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطّلة والجهميّة" ص 7-8. فصاحب القلب يجمع بين قلبه وببن معاني القرآن, فيجدها كأنها قد كتبت فيه, فهو يقرأها عن ظهر قلب. ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد, واعي القلب, كامل الحياة, فيحتاج إلى شاهد يميّز له بين الحق والباطل, ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي, فطريق حصول هدايته أن يفرغ سمعه للكلام, وقلبه لتأمّله, والتفكر فيه, وتعقل معانيه, فيعلم حينئذ أنه الحق فالأول: حال من رأى بعينيه ما دعي إليه وأخبر به. والثاني: حال من علم صدق المخبر وتيقّنه, وقال يكفيني خبره, فهو في مقام الإيمان, والأوّل في مقام الإحسان. وهذا قد وصل إلى علم اليقين, وترقى قلبه منه إلى منزلة عين اليقين, وذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام فعين اليقين نوعان: نوع في الدنيا, ونوع في الآخرة, فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب كنسبة الشاهد