(فائدة جليلة)
بين العبد وبين الله والجنة قنطرة تقطع بخطوتين: خطوة عن نفسه, وخطوة عن الخلق, فيسقط نفسه ويلغيها فيما بينه وبين الناس, ويسقط الناس ويلغيهم فيما بينه وبين الله, فلا يلتفت إلا إلى من دله على الله وعلى الطريق الموصلة إليه.
صاح بالصحابة واعظ:{ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُم} الأنبياء 1, فجزعت للخوف قلوبهم, فجرت من الحذر العيون {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} الرعد 17. تزينت الدنيا لعلي رضي الله عنه فقال: "أنت طالق ثلاثا لا رجعة لي فيك". وكانت تكفيه واحدة للسنة, لكنه جمع الثلاث لئلا يتصور للهوى جواز المراجعة. ودينه الصحيح وطبعه السليم يأنفان من المحلل, كيف وهو أحد رواة حديث "لعن الله المحلل.
ما في هذه الدار موضع خلوة فاتخذه في نفسك. لا بد أن تجذبك الجواذب فاعرفها وكن منها على حذر, ولا تضرك الشواغل إذا خلوت منها وأنت فيها. نور الحق أضوأ من نور الشمس, فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عنه. الطريق إلى الله خال من أهل الشك ومن الذين يتبعون الشهوات, وهو معمور بأهل اليقين والصبر, وهو على الطريق كالأعلام { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة 24.
(قاعدة)
لشهادة أن لا اله إلا الله عند الموت تأثير عظيم في تكفير السيئات وإحباطها, لأنها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها, قد ماتت منه الشهوات ولانت نفسه المتمردة, وانقادت بعد إبائها واستعصائها وأقبلت بعد إعراضها وذلت بعد عزها, وخرج منها حرصها على الدنيا وفضولها, واستخذت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق أذل ما كانت له وأرجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته, وتجرد