بين إيمان ناقص, وأمل زائد, ومرض لا طبيب له ولا عائد, وهوى مستيقظ, وعقل راقد, ساهيا في غمرته, عمها في سكرته, سابحا في لجّة جهله, مستوحشا من ربه, مستأنسا بخلقه, ذكر الناس فاكهته وقوته, وذكر الله حبسه وموته, لله منه جزء يسير من ظاهره, وقلبه ويقينه لغيره.
| لا كان من لسواك فيه بقية | يجد السبيل بها إليه العذل |
فصل
كان أول المخلوقات القلم, ليكتب المقادير قبل كونها, وجعل آدم آخر المخلوقات وفي ذلك حكم. الأولى: تمهيد الأرض قبل الساكن. الثانية: أنه الغاية التي خلق لأجلها ما سواه من السماوات والأرض والشمس والقمر والبر والبحر. الثالثة: أنه أحذق الصنّاع يختم عمله بأحسنه وغايته كما يبدؤه بأساسه ومبادئه. الرابعة: أن النفوس متطلعة إلى النهايات والأواخر دائما, ولهذا قال موسى عليه السلام للسحرة: أولا
{أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} يونس 80 , فلما رأى الناس فعلهم تطلعوا إلى ما يأتي بعده. الخامسة: أن الله سبحانه أخّر أفضل الرسل والأنبياء والأمم إلى آخر الزمان وجعل الآخرة خيرا من الأولى, والنهايات أكمل من البدايات, فكم بين قول الملك للرسول اقرأ, فيقول: ما أنا بقارىء, وبين قوله تعالى:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} المائدة 3. السادسة: أنه سبحانه جمع ما فرقه في العالم في آدم, فهو العالم الصغير وفيه ما في العالم الكبير. السابعة: أنه خلاصة الوجود وثمرته, فناسب أن يكون خلقه بعد الموجودات. الثامنة: أن من كراماته على خالقه أنه هيأ له مصالحه وحوائجه وآلات معيشته وأسباب حياته, فما رفع رأسه إلا وذلك كله حاضر عتيد. التاسعة: أنه سبحانه أراد أن يظهر شرفه وفضله على سائر المخلوقات فقدمها عليه في الخلق, ولهذا قالت الملائكة: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا. فلما خلق آدم وأمرهم بالسجود له ظهر فضله وشرفه عليهم بالعلم والمعرفة, فلما وقع في الذنب ظنت الملائكة أن ذلك الفضل