First Previous Next Last
روائح "ولخلوف فم الصائم", فتبين حينئذ أن ذلك التناول لم يكن عن شره.يا آدم, ضحكك في الجنة لك, وبكاؤك في دار التكليف لنا.ما ضر من كسره عزي, إذا جبره فضلي إنما تليق خلعة العز ببدن الانكسار. أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي. ما زالت تلك الأكلة تعاده حتى استولى داؤه على أولاده, فأرسل إليهم اللطيف الخبير الدواء على أيدي أطباء الوجود:{ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} طه 123. فحماهم الطبيب بالمناهي, وحفظ القوة بالأمر, واستفرغ أخلاطهم الرديئة بالتوبة, فجاءت العافية من كل ناحية.
فيا من ضيّع القوة ولم يحفظها, وخلط في مرضه وما احتمى, ولا صبر على مرارة الاستفراغ, لا تنكر قرب الهلاك, فالداء مترام إلى الفساد. لو ساعد القدر فأعنت الطبيب على نفسك بالحمية من شهوة خسيسة ظفرت بأنواع اللذات وأصناف المشتهيات. ولكن بخار الشهوة غطى عين البصيرة, فظننت أن الحزم بيع الوعد بالنقد. يا لها بصيرة عمياء, جزعت من صبر ساعة, واحتملت ذل الأبد. سافرت في طلب الدنيا وهي عنها زائلة, وقعدت عن السفر إلى الآخرة وهي إليها راحلة.إذا رأيت الرجل الخسيس بالنفيس ويبيع العظيم بالحقير, فاعلم بأنه سفيه.
لما سلم آدم أصل العبودية لم يقدح فيه الذنب:" ابن آدم, لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا, لقيتك بقرابها مغفرة" لما علم السيد أن ذنب عبده لم يكن قصدا لمخالفته ولا قدحا في حكمته, علمه كيف يعتذر إليه: { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْه }البقرة 37. العبد لا يريد بمعصيته مخالفة سيده ولا الجرأة على محارمه, ولكن غلبات الطبع, وتزيين النفس والشيطان, وقهر الهوى, والثقة بالعفو, ورجاء المغفرة, هذا من جانب العبد.
وأما من جانب الربوبية فجريان الحكم, وإظهار عز الربوبية وذل العبودية وكمال الاحتياج, وظهور آثار الأسماء الحسنى