وحكمته في قضائه وقدره, ونعمته في بلائه, وعطاءه في منعه, وبره ولطفه وإحسانه ورحمته في قيوميّته, وعدل في انتقامه, وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجاوزه. ويشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه, وعزه في رضاه وغضبه, وحلمه في إمهاله, وكرمه في إقباله, وغناه في إعراضه.
وأنت إذا تدبرت القرآن وأجرته من التحريف, وأن تقضي عليه بآراء المتكلمين وأفكار المتكلفين, أشهدك ملكا قيوما فوق سماواته على عرشه, يدبر أمر عباده, يأمر وينهي, ويرسل الرسل, وينزل الكتب, ويرضى ويغضب, ويثيب ويعاقب, ويعطي ويمنع, ويعز ويذل, ويخفض ويرفع, ويرى من فوق سبع ويسمع, ويعلم السر والعلانية, فعّال لما يريد, موصوف بكل كمال, منزه عن كل عيب, لا تتحرك ذرّة فما فوقها إلا بإذنه, ولا تسقط ورقة إلا بعلمه, ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه, ليس لعباده من دونه ولي ولا شفيع.
فصل
لما بايع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل العقبة أمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة, فعلمت قريش أن أصحابه قد كثروا وأنهم سيمنعونه,فأعملت آراءها في استخراج الحيل, فمنهم من رأى الحبس, ومنهم من رأى النفي. ثم اجتمع رأيهم على القتل, فجاء البريد بالخبر من السماء وأمره أن يفارق المضجع, فبات علي مكانه ونهض الصديّق لرفقة السفر. فلما فارقا بيوت مكة اشتد الحذر بالصدّيق فجعل يذكر الرصد فيسير أمامه وتارة يذكر الطلب فيتأخر وراءه, وتارة عن يمينه وتارة عن شماله إلى أن انتهيا إلى الغار, فبدأ الصدّيق بدخوله ليكون وقاية له إن كان ثم مؤذ. وأنبت الله شجرة لم تكن قبل, فأظلّت المطلوب وأضلّت الطالب, وجاءت عنكبوت فحازت وجه الغار فحاكت ثوب نسجها على منوال الستر, فأحكمت الشقة حتى عمي على القائف المطلب, وأرسل الله حمامتين فاتخذتا هناك عشا جعل