(فائدة جليلة)
إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمل الله سبحانه حوائجه كلها, وحمل عنه كل ما أهمه, وفرغ قلبه لمحبته, ولسانه لذكره, وجوارحه لطاعته. وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها! ووكله إلى نفسه, فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق, ولسانه عن ذكره بذكرهم, وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم, فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره, كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره. فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بل بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته. قال تعالى: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } الزخرف 36. قال سفيان بن عيينة: لا تأتون بمثل مشهور للعرب إلا جئتكم به من القرآن. فقال له قائل: فأين في القرآن "أعط أخاك تمرة فإن لم يقبل فأعطه جمرة؟" فقال في قوله: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً }.
(فائدة)
العلم والعمل وما هما العلم: نقل صورة المعلوم من الخارج وإثباتها في النفس.والعمل: نقل صورة علمية من النفس وإثباتها في الخارج. فإن كان الثابت في النفس مطلقا للحقيقة في نفسها فهو علم صحيح. وكثيرا ما يثبت ويتراءى في النفس صورة ليس لها وجود حقيقي, فيظنها الذي قد أثبتها في نفسه علما, وإنما هي مقدرة لا حقيقة لها. وأكثر علوم الناس من هذا الباب. وما كان منها مطابقا للحقيقة في الخارج فهو نوعان: نوع تكمل النفس بإدراكه والعلم به, وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وكتبه وأمره ونهيه. ونوع لا يحصل للنفس به كمال, وهو كل علم لا يضر الجهل به فإنه لا ينفع العلم به.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لا ينفع, جزء من حديث أخرجه مسلم في الذكر والدعاء 4\2088(73),وأبو داود, والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد.وهذا أكثر حال العلوم الصحيحة المطابقة التي لا يضر الجهل بها شيئا, كالعلم بالفلك