First Previous Next Last
يقولون‏:‏ الشافعي لم يكن فيلسوفا ولا مرجئا وهؤلاء فلاسفة أشعرية مرجئة وغرضهم ذم الإرجاء ونحن نذكر عمدتهم لكونه مشهورا عند كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة‏.‏ قال القاضي أبو بكر في ‏[‏التمهيد‏]‏‏:‏ فإن قالوا‏:‏ فخبرونا ما الإيمان عندكم‏؟‏ قيل‏:‏ الإيمان هو التصديق بالله وهو العلم ‏,‏ والتصديق يوجد بالقلب فإن قال‏:‏ فما الدليل على ما قلتم‏؟‏ قيل‏:‏ إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو التصديق لا يعرفون في اللغة إيمانا غير ذلك ويدل على ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 17‏]‏ أي بمصدق لنا‏.‏ ومنه قولهم‏:‏ فلان يؤمن بالشفاعة وفلان لا يؤمن بعذاب القبر أي‏:‏ لا يصدق بذلك‏.‏ فوجب أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة ‏;‏ لأن الله ما غير اللسان العربي ولا قلبه ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله وتوفرت دواعي الأمة على نقله ولغلب إظهاره على كتمانه‏,‏ وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك بل إقرار أسماء الأشياء والتخاطب بأسره على ما كان دليل على أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان اللغوي ومما يبين ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 4‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 3‏]‏ ‏.‏ فأخبر أنه أنزل القرآن بلغة العرب وسمى الأسماء بمسمياتهم ولا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة لا سيما مع القول بالعموم وحصول التوقيف على أن القرآن نزل بلغتهم‏;‏ فدل على ما قلناه من أن الإيمان ما وصفناه دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل والمفروضات ‏,‏ هذا لفظه‏.‏