السادس عشر: أن هؤلاء واقفة في ألفاظ العموم لا يقولون بعمومها والسلف يقولون: الرسول وقفنا على معاني الإيمان وبينه لنا. وعلمنا مراده منه بالاضطرار، وعلمنا من مراده علمًا ضروريًا أن من قيل: إنه صدق. ولم يتكلم بلسانه بالإيمان مع قدرته على ذلك، ولا صلى ولا صام، ولا أحب اللّه ورسوله ولا خاف اللّه، بل كان مبغضًا للرسول، معاديًا له يقاتله، أن هذا ليس بمؤمن. كما قد علمنا أن الكفار من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يعلمون أنه رسول اللّه وفعلوا ذلك معه، كانوا عنده كفارًا لا مؤمنين، فهذا معلوم عندنا بالاضطرار أكثر من علمنا بأن القرآن كله ليس فيه لفظ غير عربي. فلو قدر التعارض، لكان تقديم ذلك العلم الضروري أولى.
فإن قالوا: من علم أن الرسول كفره، علم انتفاء التصديق من قلبه.
قيل لهم: هذه مكابرة، إن أرادوا أنهم كانوا شاكِّين مرتابين. وأما إن عني التصديق الذي لم يحصل معه عمل، فهو ناقص كالمعدوم، فهذا صحيح. ثم إنما يثبت، إذا ثبت أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، وذاك إنما يثبت بعد تسليم هذه المقدمات التي منها هذا، فلا تثبت الدعوى بالدعوي مع كفر صاحبها. ثم يقال: قد علمنا بالاضطرار أن اليهود وغيرهم كانوا يعرفون أن محمدًا رسول اللّه، وكان يحكم بكفرهم. فقد علمنا من دينه ضرورة أنه يكفر الشخص مع ثبوت التصديق بنبوته في القلب، إذا لم يعمل بهذا التصديق، بحيث يحبه ويعظمه، ويسلم لما جاء به.