First Previous Next Last
قيل‏:‏ إن كان المراد أنهم قالوه بألسنتهم سرًا، فلا حجة فيه، وهذا هو الذي ذكره المفسرون‏.‏ قالوا‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ سلام عليك، فإذا خرجوا يقولون في أنفسهم، أي يقول بعضهم لبعض‏:‏ لو كان نبيًا عذبنا بقولنا له ما نقول‏.‏ وإن قدر أنه أريد بذلك أنهم قالوه في قلوبهم، فهذا قول مقيد بالنفس، مثل قوله‏:‏ ‏"‏عما حدثت به أنفسها‏"‏؛ ولهذا قالوا‏:‏ لولا يعذبنا اللّه بما نقول فأطلقوا لفظ القول هنا، والمراد به ما قالوه بألسنتهم؛ لأنه النجوى والتحية التي نهوا عنها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 8‏]‏، مع أن الأول هو الذي عليه أكثر المفسرين، وعليه تدل نظائره؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏يقول اللّه‏:‏ من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه‏"‏‏.‏ ليس المراد أنه لا يتكلم به بلسانه، بل المراد أنه ذكر اللّه بلسانه‏.‏
وكذلك قوله‏:‏‏ {‏وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 205‏]‏ هو الذكر باللسان، والذي يقيد بالنفس لفظ الحديث يقال‏:‏ حديث النفس، ولم يوجد عنهم أنهم قالوا‏:‏ كلام النفس وقول النفس؛ كما قالوا‏:‏ حديث النفس؛ ولهذا يعبر بلفظ الحديث عن الأحلام التي ترى في المنام، كقول يعقوب عليه السلام ‏:‏ ‏{‏وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 6‏]‏، وقول يوسف‏:‏ ‏{‏وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 101‏]‏، وتلك في النفس، لا تكون باللسان؛ فلفظ الحديث قد