First Previous Next Last

يقيد بما في النفس، بخلاف لفظ الكلام فإنه لم يعرف أنه أريد به ما في النفس فقط‏.‏
وأما قوله تعالى‏:‏‏ {‏وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏} ‏[‏الملك‏:‏ 13‏]‏، فالمراد به القول الذي تارة يسر به فلا يسمعه الإنسان، وتارة يجهر به فيسمعونه كما يقال‏:‏ أسر القراءة وجهر بها، وصلاة السر وصلاة الجهر؛ ولهذا لم يقل‏:‏ قولوه بألسنتكم أو بقلوبكم، وما في النفس لا يتصور الجهر به، وإنما يجهر بما في اللسان، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}‏ من باب التنبيه‏.‏ يقول‏:‏ إنه يعلم ما في الصدور فكيف لا يعلم القول، كما قال في الآية الأخرى‏:‏‏ {‏وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 7‏]‏ فنبه بذلك على أنه يعلم الجهر، ويدل على ذلك أنه قال‏:‏ ‏{وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}‏ فلو أراد بالقول ما في النفس لكونه ذكر علمه بذات الصدور، لم يكن قد ذكر علمه بالنوع الآخر وهو الجهر‏.‏
وإن قيل‏:‏ نبه، قيل‏:‏ بل نبه على القسمين‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 41‏]‏، قد ذكر هذا في قوله‏:‏‏ {‏ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 10‏]‏، وهناك لم يستثن شيئًا، والقصة واحدة، وهذا يدل على أن الاستثناء منقطع، والمعنى، آيتك ألا تكلم الناس، لكن ترمز لهم رمزًا، كنظائره في القرآن، وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 11‏]‏ هو الرمز، ولو قدر أن الرمز استثناء متصل لكان قد دخل في الكلام المقيد بالإستثناء، كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 51‏]‏‏.‏