First Previous Next Last

لا ينفي اسم مسمى أمر أمر اللّه به، ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، كقوله‏:‏‏ "‏لا صلاة إلا بأم القرآن‏"‏، وقوله‏:‏ ‏"‏لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له‏"‏ ونحو ذلك‏.‏
فأما إذا كان الفعل مستحباً في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، فإن هذا لو جاز، لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه‏.‏ وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل ولا أبو بكر ولا عمر‏.‏ فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل‏.‏
فمن قال‏:‏ إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه، ويتعرض للعقوبة، فقد صدق‏.‏ وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب، فهذا لم يقع قط في كلام اللّه ورسوله، ولا يجوز أن يقع؛ فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص من واجبه شيئاً، لم يجز أن يقال‏:‏ ما فعله لا حقيقة ولا مجازاً‏.‏ فإذا قال للأعرابي المسيء في صلاته‏:‏‏ "‏ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ‏"‏، وقال لمن صلى خلف الصف وقد أمره بالإعادة ‏:‏‏ "‏لا صلاة لفَذٍّ خلف الصف‏"‏ كان لترك واجب، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}‏‏[‏الحجرات‏:‏15‏]‏، يبين أن الجهاد واجب، وترك الارتياب واجب‏.‏