First Previous Next Last

وكما قال موسى لفرعون‏:‏ ‏{‏قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏102‏]‏، ومع هذا لم يكن مؤمناً؛ بل قال موسى‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ}‏ ‏[‏يونس‏:‏88‏]‏ قال الله‏:‏‏ {قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا}‏ ‏[‏يونس‏:‏89‏]‏، ولما قال فرعون‏:‏‏ {آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ}‏ ‏[‏يونس‏:‏90‏]‏‏.‏قال اللّه‏:‏ ‏{‏آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}‏ ‏[‏يونس‏:‏91‏]‏ فوصفه بالمعصية، ولم يصفه بعدم العلم في الباطن كما قال‏:‏‏ {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ}‏ ‏[‏المزمل‏:‏16‏]‏، وكما قال عن إبليس‏:‏‏ {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ}‏ ‏[‏ص‏:‏73، 74‏]‏،
فلم يصفه إلا بالإباء والاستكبار ومعارضته الأمر، لم يصفه بعدم العلم، وقد أخبر اللّه عن الكفار في غير موضع أنهم كانوا معترفين بالصانع في مثل قوله‏:‏‏ {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏87‏]‏‏.‏
ثم يقال لهم‏:‏ إذا قلتم هوالتصديق بالقلب، أو باللسان، أو بهما، فهل هو التصديق المجمل‏؟‏ أو لابد فيه من التفصيل‏؟‏ فلو صدق أن محمداً رسول اللّه ولم يعرف صفات الحق، هل يكون مؤمنا أم لا ‏؟‏ فإن جعلوه مؤمناً، قيل‏:‏ فإذا بلغه ذلك فكذب به، لم يكن مؤمنا باتفاق المسلمين، فصار بعض الإيمان أكمل من بعض، وإن قالوا‏:‏ لا يكون مؤمناً، لزمهم أن لا يكون أحد مؤمناً حتى يعرف تفصيل كل ما أخبر به الرسول، ومعلوم أن أكثر الأمة لا يعرفون ذلك وعندهم الإيمان لا يتفاضل إلا بالدوام فقط‏.‏
قال أبو المعالي‏:‏ فإن قال القائل‏:‏ أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان المنهمك في فسقه كإيمان النبي صلىالله عليه وسلم‏.‏