First Previous Next Last
ما حظر، ولا يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أمر، فإن ترك ما حظر من جملة ما أمر به فهو مأمور، ومن المحظور ترك المأمور، فكل ما شغله عن الواجب فهو محرم، وكل ما لا يمكن فعل الواجب إلا به فعليه فعله؛ ولهذا كان لفظ‏[‏الأمر‏]‏إذا أطلق يتناول النهي، وإذا قيد بالنهي كان النهي نظير ما تقدم، فإذا قال تعالى عن الملائكة‏:‏‏ {‏لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ‏}‏‏[‏التحريم‏:‏6‏]‏، دخل في ذلك أنه إذا نهاهم عن شيء اجتنبوه، وأما قوله‏:‏‏ {‏وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏6‏]‏، فقد قيل‏:‏ لا يتعدون ما أمروا به، وقيل‏:‏ يفعلونه في وقته، لا يقدمونه ولا يؤخرونه‏.‏
وقد يقال‏:‏ هو لم يقل‏:‏ ولا يفعلون إلا ما يؤمرون، بل هذا دل عليه قوله‏:‏‏ {‏لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏27‏]‏، وقد قيل‏:‏ لا يعصون ما أمرهم به في الماضي، ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل‏.‏وقد يقال‏:‏ هذه الآية خبر عما سيكون، ليس ما أمروا به هنا ماضياً بل الجميع مستقبل، فإنه قال‏:‏ ‏{‏قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏6‏]‏، وما يتقي به إنما يكون مستقبلاً، وقد يقال‏:‏ ترك المأمور تارة يكون لمعصية الآمر وتارة يكون لعجزه، فإذا كان قادراً مريداً، لزم وجود المأمور المقدور، فقوله‏:‏ ‏{‏لَا يَعْصُونَ‏}‏ لا يمتنعون عن الطاعة، وقوله‏:‏‏ {‏وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ هم قادرون على ذلك لا يعجزون عن شيء منه بل يفعلونه كله، فيلزم وجود كل ما أمروا به، وقد يكون في ضمن ذلك أنهم لا يفعلون إلا المأمور به، كما يقول القائل‏:‏ أنا أفعل ما أمرت به، أي‏:‏ أفعله ولا أتعداه إلى زيادة ولا نقصان‏.‏