First Previous Next Last
وأيضاً، فقوله‏:‏ ‏{‏لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ‏}‏ إن كان نهاهم عن فعل آخر كان ذلك من أمره، وإن كان لم ينههم لم يكونوا مذمومين بفعل ما لم ينهوا عنه‏.‏
والمقصود أن لفظ ‏[‏الأمر‏]‏ إذا أطلق تناول النهي، ومنه قوله‏:‏ ‏{‏أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏59‏]‏، أي‏:‏ أصحاب الأمر، ومن كان صاحب الأمر كان صاحب النهي، ووجبت طاعته في هذا وهذا، فالنهي داخل في الأمر، وقال موسى للخضر‏:‏ ‏{‏قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏69، 70‏]‏، وهذا نهى له عن السؤال حتى يحدث له منه ذكراً، ولما خرق السفينة قال له موسى‏:‏‏ {‏أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏71‏]‏، فسأله قبل إحداث الذكر، وقال في الغلام‏:‏‏ {‏أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا‏}‏‏[‏الكهف‏:‏74‏]‏، فسأله قبل إحداث الذكر، وقال في الجدار‏:‏ ‏{‏لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏77 ‏]‏، وهذا سؤال من جهة المعنى، فإن السؤال والطلب قد يكون بصيغة الشرط كما تقول‏:‏ لو نزلت عندنا لأكرمناك، وإن بتَ الليلة عندنا أحسنتَ إلينا، ومنه قول آدم‏:‏‏ {‏رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏23‏]‏، وقول نوح‏:‏ ‏{‏رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏47‏]‏ ومثله كثير؛ ولهذا قال موسى‏:‏‏ {‏إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏76‏]‏، فدل على أنه سأله الثلاث قبل أن يحدث له الذكر، وهذا معصية لنهيه وقد دخل في قوله‏:‏‏ {‏وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏69‏]‏، فدل على أن عاصي النهي عاص الأمر، ومنه قوله تعالى