First Previous Next Last

فلما قال في آية البر‏:‏‏ {‏أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 177‏]‏ دل على أن المراد‏:‏صدقوا في قولهم‏:‏ آمنا؛ فإن هذا هو القول الذي أمروا به وكانوا يقولونه‏.‏
ولم يؤمروا أن يلفظوا بألسنتهم ويقولوا‏:‏ نحن أبْرَارٌ أو بَرَرَةٌ؛ بل إذا قال الرجل‏:‏ أنا بر فهذا مُزَكٍّ لنفسه؛ ولهذا كانت زينب بنت جَحْش اسمها بَرَّة فقيل‏:‏ تُزَكِّى نفسها، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب، بخلاف إنشاء الإيمان بقولهم‏:‏ ‏[‏آمنا‏]‏ فإن هذا قد فرض عليهم أن يقولوه، قال تعالى‏:‏‏ {‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏136‏]‏، وكذلك في أول آل عمران‏:‏ ‏{‏قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏84 ‏]‏ ‏.‏
وقال تعالى‏:‏‏ {‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ‏}‏‏[‏ البقرة‏:‏285‏]‏، فقوله‏:‏‏ {‏لاَ نُفَرِّقُ‏}‏ دليل على أنهم قالوا‏:‏ آمنا ولا نفرق؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا‏}‏ فجمعوا بين قولهم‏:‏ آمنا وبين قولهم‏:‏ سمعنا وأطعنا، وقد قال في آية البر‏:‏‏ {‏وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏}‏ فجعل الأبرار هم المتقين عند الإطلاق والتجريد، وقد ميز بينهما عند الاقتران والتقييد في قوله‏:‏ ‏{‏وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى‏}‏‏[‏المائدة‏:‏2‏]‏، ودلت هذه الآية على أن مسمى الإيمان ومسمى البر ومسمى التقوى عند الإطلاق واحد، فالمؤمنون هم المتقون وهم الأبرار‏.‏