First Previous Next Last
‏{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏13، 14‏]‏، وقوله‏:‏‏ {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏46‏]‏، فوعد بنصر الدنيا وبثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب، فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب؛ ولهذا يقال للفاجر‏:‏ لا يخاف اللّه‏.‏ ويدل على هذا المعنى قوله تعالى‏:‏‏ {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ}‏ ‏[‏النساء‏:‏17‏]‏‏.‏
قال أبو العالية‏:‏ سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي‏:‏ كل من عصى اللّه فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب‏.‏ وكذلك قال سائر المفسرين‏.‏ قال مجاهد‏:‏ كل عاص فهو جاهل حين معصيته‏.‏ وقال الحسن وقتادة وعطاء والسُّدِّي وغيرهم‏:‏ إنما سموا جهالاً لمعاصيهم، لا أنهم غير مميزين‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ ليس معنى الآية‏:‏ أنهم يجهلون أنه سوء؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءاً، وإنما يحتمل أمرين‏:‏أحدهما‏:‏ أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه‏.‏ والثاني‏:‏ أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسموا جهالاً لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة‏.‏ فقد جعل الزجاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة، وقد يقال‏:‏ هما متلازمان، وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية‏.‏
والمقصود هنا أن كل عاص للّه فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم