First Previous Next Last

يقال‏:‏صدق أحدهما صاحبه، ولا يقال‏:‏ آمن له، لأنه لم يكن غائباً عنه ائتمنه عليه؛ولهذا قال‏:‏‏ {‏فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏26‏]‏، ‏{‏أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏47‏]‏، ‏{‏آمَنتُمْ لَهُ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏71‏]‏، ‏{‏يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏التوبه‏:‏61‏]‏، فيصدقهم فيما أخبروا به‏.‏ مما غاب عنه وهو مأمون عنده على ذلك، فاللفظ متضمن معنى التصديق ومعنى الائتمان والأمانة، كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏17‏]‏ أي‏:‏ لا تقر بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك‏.‏ فلو صدقوا لم يأمن لهم‏.‏
الثالث‏:‏ أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له‏:‏ صدقت أو كذبت، ويقال‏:‏ صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر‏:‏ آمنا له أو كذبناه، ولا يقال‏:‏ أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر‏.‏ يقال‏:‏ هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال‏:‏ أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيباً ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعاً بلا تكذيب، فلا بد أن يكون الإيمان تصديقاً مع موافقة وموالاة وانقياد لا يكفي مجرد التصديق، فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان، كما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر، فيجب أن يكون كل مؤمن مسلماً منقاداً للأمر، وهذا هو العمل‏.‏