First Previous Next Last
لم زعمتم أنه يكون مؤمنًا بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعًا‏؟‏ أرأيتم لو أن رجلاً قال‏:‏ أعمل جميع ما أمر به الله ولا أقر به، أيكون مؤمنًا‏؟‏ فإن قالوا‏:‏ لا‏.‏ قيل لهم‏:‏ فإن قال‏:‏ أقر بجميع ما أمر الله به، ولا أعمل به، أيكون مؤمنًا‏؟‏ فإن قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قيل‏:‏ ما الفرق‏؟‏ فقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعًا، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ولم يقر مؤمنًا، لا فرق بين ذلك‏.‏ فإن احتج فقال‏:‏ لو أن رجلاً أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أيكون مؤمنًا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل‏؟‏ قيل له‏:‏ إنما يطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنًا، ولو قال‏:‏ أقر ولا أعمل لم يطلق عليه اسم الإيمان‏.‏
قلت يعني الإمام أبو ثور رحمه الله ‏:‏ إنه لا يكون مؤمنًا إلا إذا التزم بالعمل مع الإقرار، وإلا فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمنًا‏.‏ وهذا الاحتجاج الذي ذكره أبو ثور هو دليل على وجوب الأمرين‏:‏ الإقرار والعمل، وهو يدل على أن كلا منهما من الدين، وأنه لا يكون مطيعًا لله، ولا مستحقًا للثواب ولا ممدوحًا عند الله ورسوله إلا بالأمرين جميعًا، وهو حجة على من يجعل الأعمال خارجة عن الدين والإيمان جميعًا‏.‏ وأما من يقول‏:‏ إنها من الدين، ويقول‏:‏ إن الفاسق مؤمن حيث أخذ ببعض الدين وهو الإيمان عندهم، وترك بعضه؛ فهذا يحتج عليه بشيء آخر، لكن أبو ثور وغيره من علماء السنة عامة احتجاجهم مع هذا الصنف، وأحمد كان أوسع علمًا بالأقوال والحجج من