First Previous Next Last
سباه من غيره؛ لأن هذا بمنزلة استيلائه على المباحات، ولهذا سمى اللّه ما عاد من أموالهم إلى المسلمين‏[‏ فيئًا‏]‏؛ لأن اللّه أفاءه إلى مستحقه؛ أي‏:‏ رده إلى المؤمنين به الذين يعبدونه، ويستعينون برزقه على عبادته؛ فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه؛ وإنما خلق الرزق لهم ليستعينوا به على عبادته‏.‏
ولفظ الفيء قد يتناول الغنيمة، كقول النبي صلىالله عليه وسلم في غنائم حنين‏:‏ ‏"‏ليس لي مما أفاء اللّه عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم‏"‏، لكنه لما قال تعالى‏:‏‏ {‏وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏6‏]‏، صار لفظ ‏[‏الفيء‏]‏ إذا أطلق في عرف الفقهاء، فهو‏:‏ ما أخذ من مال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، والإيجاف نوع من التحريك‏.‏
وأما إذا فعل المؤمن ما أبيح له قاصداً للعدول عن الحرام إلى الحلال لحاجته إليه، فإنه يثاب على ذلك كما قال النبي صلىالله عليه وسلم‏:‏‏ "‏وفي بُضْع أحدكم صدقة‏"‏‏. قالوا‏:‏ يا رسول اللّه، يأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أرأيتم لو وضعها في الحرام كان عليه وزر‏؟‏ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر‏"‏‏.‏ وهذا كقوله في حديث ابن عمر عن النبي صلىالله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته‏"‏‏.‏ رواه أحمد، وابن خزيمة في صحيحه وغيرهما‏.‏
فأخبر أن اللّه يحب إتيان رخصه، كما يكره فعل معصيته‏.‏ وبعض الفقهاء يرويه‏:‏ ‏"‏كما يحب أن تؤتى عزائمه‏"‏‏.‏ وليس هذا لفظ الحديث؛ وذلك لأن الرخص إنما أباحها اللّه لحاجة العباد إليها، والمؤمنون يستعينون بها على عبادته؛