First Previous Next Last

يعصر عنبًا يصير عصيراً يمكن أن ينتفع به في المباح، لكن لما علم أن قصد العاصر أن يجعلها خمراً، لم يكن له أن يعينه بما جنسه مباح على معصية اللّه، بل لعنه النبي صلىالله عليه وسلم على ذلك؛ لأن اللّه لم يبح إعانة العاصي على معصيته، ولا أباح له ما يستعين به في المعصية‏.‏ فلا تكون مباحات لهم إلا إذا استعانوا بها على الطاعات‏.‏ فيلزم من انتفاء السيئات أنهم لا يفعلون إلا الحسنات؛ ولهذا كان من ترك المعاصي كلها، فلابد أن يشتغل بطاعة اللّه‏.‏ وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏"‏كُلُّ الناس يَغْدُوا، فبائع نَفْسَه فمُعْتِقُهَا أو مُوبِقُهَا‏"‏ فالمؤمن لابد أن يحب الحسنات، ولابد أن يبغض السيئات، ولابد أن يسره فعل الحسنة، ويسوؤه فعل السيئة، و متى قدر أن في بعض الأمور ليس كذلك كان ناقص الإيمان،
والمؤمن قد تصدر منه السيئة فيتوب منها، أو يأتي بحسنات تمحوها، أو يبتلى ببلاء يكفرها عنه ولكن لابد أن يكون كارهاً لها؛ فإن اللّه أخبر أنه حَبَّبَ إلى المؤمنين الإيمان، وكَرَّهَ إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فمن لم يكره الثلاثة لم يكن منهم‏.‏ ولكن محمد ابن نصر يقول‏:‏ الفاسق يكرهها تديناً، فيقال‏:‏ إن أريد بذلك أنه يعتقد أن دينه حرمها، وهو يحب دينه، وهذه من جملته، فهو يكرهها‏.‏ وإن كان يحب دينه مجملاً، وليس في قلبه كراهة لها، كان قد عدم من الإيمان بقدر ذلك، كما في الحديث الصحيح‏:‏‏ "‏من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏"‏‏.‏