First Previous Next Last
وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 11‏]‏ فسر بإنكار ما أقروا به أي‏:‏ إنا إنما نفعل ما أمرنا به الرسول ‏.‏ وفسر‏:‏ بأن الذي نفعله صلاح ونقصد به الصلاح وكلا القولين يروى عن ابن عباس وكلاهما حق فإنهم يقولون هذا وهذا ‏,‏ يقولون‏:‏ الأول لمن لم يطلع على بواطنهم‏.‏ ويقولون‏:‏ الثاني لأنفسهم ولمن اطلع على بواطنهم ‏.‏ لكن الثاني يتناول الأول، فإن من جملة أفعالهم إسرار خلاف ما يظهرون وهم يرون هذا صلاحًا قال مجاهد‏:‏ أرادوا أن مصافاة الكفار صلاح لا فساد ‏.‏
وعن السدي‏:‏ إن فعلنا هذا هو الصلاح وتصديق محمد فساد ‏,‏ وقيل‏:‏ أرادوا أن هذا صلاح في الدنيا فإن الدولة إن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد أمنوا بمتابعته وإن كانت للكفار، فقد أمنوهم بمصافاتهم ‏.‏ ولأجل القولين قيل في قوله‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 12‏]‏ أي لا يشعرون أن ما فعلوه فساد لا صلاح ‏.‏ وقيل‏:‏ لا يشعرون أن الله يطلع نبيه على فسادهم ‏.‏ والقول الأول يتناول الثاني، فهو المراد كما يدل عليه لفظ الآية ‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 196‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ‏}‏[‏يونس‏:‏ 81‏]‏ وقول يوسف ‏{‏تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 101‏]‏‏.‏
وقد يقرن أحدهما بما هو أخص منه كقوله‏:‏ ‏{‏وَإذا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 205‏]‏ قيل‏:‏ بالكفر وقيل‏:‏ بالظلم، وكلاهما صحيح وقال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 83‏]‏