First Previous Next Last

ومما يشبه هذه المسألة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم بدر فأخبر أصحابه بمصارع المشركين فقال‏:‏ ‏"‏هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلانَ‏"‏، ثم إنه دخل العريش، وجعل يجتهد في الدعاء، ويقول‏:‏ ‏"‏اللهم انجز لي ما وعدتني‏"‏؛ وذلك لأن علمه بالنصر، لا يمنع أن يفعل السبب الذي به ينصر، وهو الاستغاثة بالله‏.‏
وقد غلط بعض الناس هنا وظن أن الدعاء الذي علم وقوع مضمونه كالدعاء الذي في آخر سورة البقرة لا يشرع إلا عبادة محضة، وهذا كقول بعضهم‏:‏ إن الدعاء ليس هو إلا عبادة محضة؛ لأن المقدور كائن دعا أو لم يدع‏.‏
فيقال له‏:‏ إذا كان الله قد جعل الدعاء سببًا لنيل المطلوب المقدر، فكيف يقع بدون الدعاء‏؟‏ وهو نظير قولهم‏:‏ أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب‏؟‏
ومما يوضح ذلك‏:‏ أن الله قد علم وكتب أنه يخلق الخلق ويرزقهم ويميتهم ويحييهم، فهل يجوز أن يظن أن تقدم العلم والكتاب مغن لهذه الكائنات عن خلقه وقدرته ومشيئته، فكذلك علم الله بما يكون من أفعال العباد، وأنهم يسعدون بها، ويشقون كما يعلم  مثلاً  أن الرجل يمرض أو يموت بأكله السم أو جرحه نفسه ونحو ذلك‏.‏