جعل الله بها تلك الأمور، وذلك يبين أن ذلك لا يمنع أن يكون العبد عاملا للعمل الصالح الذي به يسعده الله، وأن يكون قادرًا على ذلك مريدًا له، وإن كان ذلك كله بتيسير الله للعبد وإن تنازع الناس في تسمية ذلك جبرًا لكن هل يكون العبد قادرًا على غير الفعل الذي فعله، الذي سبق به العلم والكتاب؟ فهذا مما تنازع فيه الناس، كما تنازعوا في أن الاستطاعة هل يجب أن تكون مع الفعل أو يجب أن تتقدمه؟ فمن قال من أهل الإثبات: إن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، يقول العبد: لا يستطيع غير ما يفعله، وهو ما تقدم به العلم والكتاب، ومن قال: إن الاستطاعة قد تتقدم الفعل، وقد توجد دون الفعل، فإنه يقول: إنه يكون مستطيعًا لما لم يفعله، ولما علم وكتب أنه لا يفعله.
وفصل الخطاب: أن الاستطاعة جاءت في كتاب الله على نوعين:
الاستطاعة المشترطة للفعل، وهي مناط الأمر والنهي كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97]، وقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقوله:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ}الآية [النساء:25]، {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة:4]، وقوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 148]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب". فإن الاستطاعة في هذه النصوص لو كانت لا توجد إلا مع الفعل؛ لوجب ألا يجب الحج إلا على من حج، ولا يجب صيام شهرين إلا على من