First Previous Next Last
وقد ثبت في الصحيح عن جابر‏:‏ أنه لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ‏}‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أعوذ بوجهك‏"‏، ‏{أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏أعوذ بوجهك‏"‏، ‏{أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏هاتان أهون‏"‏، وقال الله تعالى‏:‏ ‏{وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏31‏]‏‏.‏ ومن حكى من أهل الكلام عن أهل السنة والجماعة أنهم يقولون‏:‏ إن العبد ليس قادرًا على غير ما فعل الذي هو خلاف المعلوم، فإنه مخطئ فيما نقله عنهم من نفي القدرة مطلقًا، وهو مصيب فيما نقله عنهم من نفي القدرة التي اختص بها الفاعل دون التارك، وهذا من أصول نزاعهم في جواز تكليف ما لا يطاق‏.‏
فإن من يقول‏:‏ الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، فالتارك لا استطاعة له بحال، يقول‏:‏ إن كل من عصى الله فقد كلفه الله مالا يطيقه، كما قد يقولون‏:‏ إن جميع العباد كلفوا مالا يطيقون، ومن يقول‏:‏ إن استطاعة الفعل هي استطاعة الترك، يقول‏:‏ إن العباد لم يكلفوا إلا بما هم مستوون في طاقته وقدرته واستطاعته،لا يختص الفاعل دون التارك باستطاعة خاصة، فإطلاق القول‏:‏ بأن العبد كلف بما لا يطيقه؛ كإطلاق القول‏:‏ بأنه مجبور على أفعاله،/