واليونان كانوا يعبدون الكواكب والأصنام، وهم لا يعرفون الملائكة والأنبياء، وليس في كتب أرسطو ذكر شيء من ذلك، وإنما غالب علوم القوم الأمور الطبيعية، وأما الأمور الإلهية فكل منهم فيها قليل الصواب، كثير الخطأ، واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم بالإلهيات منهم بكثير، ولكن متأخروهم كابن سينا أرادوا أن يلفقوا بين كلام أولئك وبين ما جاءت به الرسل، فأخذوا أشياء من أصول الجهمية والمعتزلة، وركبوا مذهبًا قد يعتزى إليه متفلسفة أهل الملل؛ وفيه من الفساد والتناقض ما قد نبهنا على بعضه في غير هذا الموضع.
وهؤلاء لما رأوا أمر الرسل كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم قد بهر العالم، واعترفوا بأن الناموس الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم أعظم ناموس طرق العالم، ووجدوا الأنبياء قد ذكروا الملائكة والجن. أرادوا أن يجمعوا بين ذلك وبين أقوال سلفهم اليونان الذين هم أبعد الخلق عن معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأولئك قد أثبتوا عقولًا عشرة يسمونها [المجردات] و[المفارقات]. وأصل ذلك مأخوذ من مفارقة النفس للبدن، وسموا تلك [المفارقات] لمفارقتها المادة وتجردها عنها، وأثبتوا الأفلاك لكل فلك نفسًا، وأكثرهم جعلوها أعراضًا، وبعضهم جعلها جواهر.
وهذه [المجردات] التي أثبتوها ترجع عند التحقيق إلى أمور