الوجه الأول: أنه سبحانه و-تعالى- قال في صفة أهل النفاق من مظهري الإسلام: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} البقرة: 89 إلى قوله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} البقرة: 1415 وقال سبحانه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} النساء: 142 وقال في صفة المنافقين من أهل العهد: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} الأنفال: 62 الاية فأخبر سبحانه أن هؤلاء المخادعين مخدوعون وهم لا يشعرون بذلك وأن الله خادع من يخادعه وأن المخدوع يكفيه الله شر من خدعه والمخادعة هي الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطالنخلافه لتحصيل المقصود
يقال: طريق خدع إذا كان مخالفاً للقصد لا يُفْطَنُ له ويقال: عول خيدع ويقال: للشراب الخيداع وضب خدع أي: مراوغ وفي المثل: أخدع من ضب وخلق خادع وسوق خادعة أي: متلونة والحرب خدعة وأصله الإخفاء والستر ومنه قيل للخزانة: مخدع ومخدع فلما كان قول القائل: آمنا ب الله وباليوم الآخر إنشاءاً للإيمان أو إخباراً به أن يكون صادقاً في هذا الإنشاء والإخبار - بحيث يكون قلبه مطمئناً بذلك وحكمه أن يعصم دمه وماله في الدنيا وأن يكون له ما للمؤمنين - كان من قال هذه الكلمة غير مبطن لحقيقتها بل مريداً لحكمها وثمرتها فقط مخادعاً لله ورسوله وكان جزاؤه أن يظهر الله سبحانه ما يظن أنه كرامة وفيه عذاب أليم كما أظهر للمؤمنين ما ظنوا أنه إيمان وفي ضمنه الكفر
وهكذا قول القائل: بعت واشتريت واقترضت وأنكحت ونكحت إنشاءاً للعقد أو إخباراً به فإذا لم يكن مقصوده انتقال الملك الذي وضعت له هذه الصيغة ولا ثبوت النكاح الذي جعلت له هذه الكلمة بل مقصوده بعض أحكامها التى قد يحصل ضمناً وقد لا يحصل أو قصد ما ينافي قصد العقد أو قصده بالعقد شيء آخر خارج عن أحكام العقد وهو أن تعود المرأة إلى زوجها المطلق بعد الطلاق. أو أن تعود السلعة إلى البائع بأكثر من ذلك من الثمن أو أن تنحل يمين قد حلفها كان مخادعاً لمباشرته للكلمات التي جعلت لها حقائق ومقاصد وهو لا يريد مقاصدها وحقائقها وهو ضرب من النفاق في آيات الله وحدوده كما أن الأول نفاق في أصل