الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم بأن قالوا: هذا مرائي ولقد كان الله غنياً عن صاع فلان فمن تكلم بالأقوال التي جعل الشارع لها حقائق ومقاصد مثل كلمة الأيمان وكلمة الله التي تستحل بها الفروج والعهود والمواثيق التي بين المتعاقدين وهو لا يريد بها حقائقها المقومة لها ولا مقاصدها التي جعلت هذه الألفاظ محصلة لها بل يريد أن يرتجع المرأة ليضرها ولا حاجة له في نكاحها أوينكحها ليحللها أويخلعها ليلبسها فهومستهزىء بآيات الله فإن العهود والمواثيق من آيات الله وسيأتي إن شاء الله تقرير ذلك في الأدلة الخاصة فإذا كان الاستهزاء بها حراماً وجب إبطاله وإبطال التصرفات عدم ترتب أثرها عليها فإن كان المستهزىء بها غرضه إنما يتم لصحتها وجب إبطال هذه الصحة والحكم ببطلان تلك التصرفات وإن كان المستهزىء غرضه اللعب بها دون لزوم حكمها وجب إبطال لعبه بإلزامه أحكامه كما سيأتي إن شاء الله إيضاحه
الوجه الثالث: إن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم بما بلاهم به في سورة ( نون ) وهم قوم كان للمساكين حق في أموالهم إذا جذوا نهاراً بأن يلتقط المساكين ما يتساقط من الثمر فأرادوا أن يجذوا ليلاً ليسقط ذلك الحق ولئلا يأتيهم مسكين فأرسل الله على جنتهم طائفاً وهم نائمون فأصبحت كالصريم عقوبة على احتيالهم لمنع الحق الذي كان للمساكين في أموالهم فكان في ذلك عبرة لكل من احتال لمنع حق الله أو لعباده من زكاة أو شُفْعَةِ وقَصْدُ هؤلاء معروف كما ذكرناه على أن في التنزيل ما بكفي في الدلالة فإن هؤلاء لو لم يكونوا أرادوا منع واجب لم يعاقبوا بمنع التطوع فإن الذم والعقوبة إنما يكون على فعل محرم أو ترك واجب وهذه خاصة الواجب والحرام التي تفصل بينهما وبين المستحب والمكروه. ثم إن كانوا عوقبوا على الاحتيال على ترك المستحب ففيه تنبيه على العقوبة على ترك الواجب ولا يجوز أن تكون العقوبة على ترك الاستثناء وحده فإن هذا إنما يعاقب صاحبه بمنع الفعل بأن يبتلى بما يشغله عنه أما عقوبته بإهلاك المال فلا ولأن الله قال: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} القلم: 17 بعد أن قال: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} القلم: 1013 فعلم أنها عبرة لمن منع الخير ولأن الله قص عنهم أنهم