First Previous Next Last

تنهاهم وجعلت تقول: الله َ الله َ نحذركم بأس الله وأما الفرقة اليسرى فكفَّت أيديها وأمسكت ألسنتها وأما الفرقة الوسطى فوثبت على السمك تأخذه وذكر تمام القصة في مسخ الله إياهم قِرَدَةً فهذه الآثار دليل على أن القوم إنما اصطادوا لها محتالين مستحلين بنوع من التأويل فكان أجودهم تأويلاً الذي احتال على وقوعها في الحياض والشصوص يوم السبت من غير مباشرة منه إذ ذاك وبعده من باشر إلقاءها في الماء ثم أخرجها بعد السبت وبعده من أخرجها من الماء ولم يأكل حتى خرج يوم السبت تأويلاً منه: أن المحرم هو الأكل وكذلك صح عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ} الأعراف: 63 قال: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت فكانت تأتيهم يوم السبت شرعاً بلاءً ابُتلُوا به ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها بلاء أيضاً بما كانوا يفسقون فأخذوها يوم السبت استحلالاً ومعصية الله عز وجل فقال الله: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} البقرة: 165 إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم فبين أنهم استحلوها وعصوا الله بذلك ومعلوم أنهم لم يستحلوها تكذيباً لموسى عليه السلام وكُفْراً بالتوراة وإنما هو استحلال تأويل واحتيال ظاهره ظاهر الاتقاء وحقيقته حقيقة الاعتداء ولهذا و الله أعلم مُسِخوا قِرَدَةً لأن صورة القرد فيها شَبَه من صورة الإنسان وفي بعض ما يذكر من أوصافه شبه منه وهو مخالف له في الحد والحقيقة فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته مسخهم الله قردة يشبهونهم في بعض ظاهرهم دون الحقيقة جزاء وفاقاً. يقوي ذلك أن بني إسرائيل أكلوا الربا وأكلوا أموال الناس بالباطل كما قصَّهُ الله في كتابه أعظم من أكل الصيد المحرم في وقت بعينه ألا ترى أن ذاك حرام في شريعتنا أيضاً والصيد في السبت ليس حراماً علينا ثم إن أَكَلَةَ الربا وأموال الناس بالباطل لم يعاقبوا بالْمَسخِ كما عُوقِبَ به مُستحلُّوا الحرام بالحيلة وانما عوقبوا بشيء آخر من جنس عقوبات غيرهم فيشبه -و الله أعلم- أن يكون هؤلاء لما كانوا أعظم جُرْماً فإنهم بمنزلة المنافقين وهم لا يعترفون بالذنب. بل قد فسدت عقيدتهم وأعمالهم كما قال أيوب السختياني: لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون علي كانت عقوبتهم أغلظ من عقوبة