غيرهم فإن من أكل الربا والصيد المحرم عالما بأنه حرام فقد اقترن بمعصية اعترافه بالتحريم وهو إيمان بالله وآياته ويترتب على ذلك من خشية الله ورجاء مغفرته وإمكان التوبة ما قد يفضي به إلى خير ومن أكله مستحلاً بنوع احتيال تأول فيه فهو مصر على الحرام وقد اقترن به اعتقاده الفاسد في حل الحرام وذلك قد يفضي به إلى شر طويل ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته ذلك فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل".
ثم رأيت هذا المعنى قد ذكره بعض العلماء وذكر أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يُحشر أَكَلَةُ الربا يوم القيامة في صورة الخنازير والكلاب من أجل حيلتهم على الربا كما مسخ أصحاب داود لاحتيالهم على أخذ الحيتان يوم السبت" و الله أعلم بحال هذا الحديث ولولا أن معنى المسخ لأجل الاستحلال بالاحتيال قد جاء في أحاديت معروفة لم نذكر هذا الحديث ولعل الحديث الذي رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به عن عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري و الله ما كذبني: سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليكونن من أمتي أقوام يَسْتَحِلُّون الخز والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام إلى جنب علم تروح عليهم سارحة لهم يأتيهم رجل لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غَدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة" ورواه البَرقْاني مسندًا ورواه أبو داود مختصرًا ولفظه: "ليكونن من أمتي أقوام يَسْتَحِلُّون الخز والحرير - وذكر كلاما - قال: يمسخ منهم قردة وخنازير إلى يوم القيامة" إنما ذاك إذا استحلوا هذه المحرمات بالتأويلات الفاسدة فإنهم لو استحلوها مع اعتقاد أن الرسول حرمها كانوا كفاراً ولم يكونوا من أمته ولو كانوا معترفين بأنها حرام لأوشك أن لا يعاقبوا بالمسخ كسائر الذين لم يزالوا يفعلون هذه المعاصي ولما قيل: فيهم يستحلون فإن الْمُسْتَحِلَّ للشيء هو الذي يأخذه معتقداً حِلَّهُ فيشبه أن يكون استحلالهم الخمر يعني به أنهم يسمونها بغير اسمها كما جاء الحديث فيشربون الأنبذة المحرمة ولا يسمونها خمراً واستحلالهم المعازف باعتقادهم أن آلات اللهو مجرد سمع صوت فيه لذة وهذا لا يحرم كألحان الطيور واستحلال الحرير وسائر أنواعه باعتقادهم أنه حلال