أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها على وجه لا يقال في الظاهر إنهم انتفعوا بالشحم فجملوه وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك لئلا يحصل الانتفاع بعين المحرم ثم مع أنهم احتالوا حيلة خرجوا بها في زعمهم من ظاهر التحريم من هذين الوجهين لعنهم الله - سبحانه وتعالى- على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الاستحلال نظراً إلى المقصود فإن ما حكمه التحريم لا يختلف سواء كان جامداً أو مائعاً وبدل الشيء يقوم مقامه ويسد مسده فإذا حرم الله الانتفاع بشيء حرم الاعتياض عن تلك المنفعة ولهذا ما أبيح الانتفاع به من وجه دون وجه كالخمر ونحوها فإنه يجوز بيعها لمنفعة الظهر المباحة لا لمنفعة اللحم المحرم وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله البهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها فإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" المقابل لمنفعة الأكل فأما إن كانت فيه منفعة أخرى وكان الثمن في مقابلها لم يدخل في هذا. إذا تبين هذا فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقاً بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون رعاية لمقصود الشيء المحرم ومعناه وحقيقته لم يستحق اليهود اللعنة لوجهين:
أحدهما: إن الشحم خرج بتجميله عن أن يكون شحماً وصار وَدَكاً كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعاً عند من يستحل ذلك فإن من أراد أن يعطي ألفاً بألف ومائة إلى أجل فأعطاه حريرة بألف ومائة مؤجلة ثم أخذها بألف حالة فإن معناه معنى من أعطى ألفاً بألف ومائة لا فرق بينهما من حيث الحقيقة والمقصود إلا ما بين الشحم والودك
الثاني: إنهم لم ينتقعوا بعين الشحم وإنما انتفعوا بالثمن فيلزم من راعى مجرد الألفاظ والظواهر دون المقاصد والحقائق أن لا يحرم ذلك إلا أن يكون الله سبحانه و-تعالى- حرم الثمن تحريماً غير تحريم الشحم فلما لعن النبي صلى الله عليه وسلم اليهودَ على استحلالهم الأثمان مع تحريم الْمُثَمَّن وإن لم ينص لهم على تحريم الثمن علم أن الواجب النظر إلى المقصود من جهة أن