موجوداً في الناس ثم لفظ الاستحلال إنما يستعمل في الأصل فيمن اعتقد الشيء حلالاً والواقع ليس كذلك فإن هذا الملك العضوض الذي كان بعد الملك والجبرية قد كان في أواخر عصر التابعين وفي تلك الأزمان صار في أول الأمر من يفتي بنكاح المحلل ونحوه ولم يكن قبل ذلك الزمان من يفتي بذلك أصلاً. يؤيد ذلك أن في حديث ابن مسعود المشهور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن آكل الربا ومُوْكله وشاهديه وكاتبه والمحلل والمحلل له وفي لفظ رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله آكل الربا ومُوْكله وشاهدَيْه وكاتبه" قال: وقال: "ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله تعالى" فلما لعن أهل الربا والتحليل وقال: "ما ظهر الربا والزنا في قوم إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله" كان هذا كالدليل على أن التحليل من الزنا كما أن العينة من الربا وأن أستحلال هذَيْن استحلال للربا والزنا وأن ظهور ذلك يوجب العقوبة التي ذكرت في الأحاديث هذا وقد جاء حديث آخر يوافق هنا روي موقوفاً على ابن عباس ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يأتي على الناس زمان يُستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء: يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها والسحت بالهدية والقتل بالرهبة والزنا بالنكاح والربا بالبيع" وهذا الخبر صِدْق فإن الثلاثة المقدم ذكرها قد بيُنِّت وأما استحلال السحت الذي هو العطية للوالي والحاكم والشافع ونحوهم باسم الهدية فهو أظهر من أن يذكر وأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي يسميه ولاة الظلم: سياسة وهيبة وأبهة الملك ونحو ذلك فظاهر أيضاً واذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه سيكون من يستحل الخمور والربا والسحت والزنا وغيرها بأسماء أخرى من النبيذ والبيع والهدية والنكاح ومن يستحل الحرير والمعازف فمن المعلوم أن هذا بعينه هو فعل أصحاب الحيل فإنهم يعمدون إلى الأحكام فيعلقونها بمجرد اللفظ ويزعمون أن الذي يستحلونه ليس بداخل في لفظ الشيء المحرم مع أن العقل يعلم أن معناه معنى الشيء المحرم وهو المقصود به وهذا بيِّنُ في الحيل الربوية ونكاح المحلل ونحو ذلك فإنها تستحل باسم البيع والقرض والنكاح وهي ربا أو سفاح في المعنى فإن الرجل إذا قال للرجل وله عليه ألف: