First Previous Next Last

على الناس زمان يأكلون فيه الربا" قال: قيل له: الناس كلهم قال: "من لم يأكل منهم ناله من غباره" وما ذاك إلا لظهور المعاملات التي تستباح باسم البيع أو الهبة أو القرض أو الإجارة أو غير ذلك ومعناها معنى الربا و يؤيد هذا ما أخرجاه في "الصحيحين" عن مسروق عن عائشة قالت: لما نزلت الآيات الأواخر من سورة البقرة في الربا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاهن في المسجد وحرَّم التجارة في الخمر فإن تحريمه التجارة في الخمر عقيب نزول هذه الآيات لا بد أن يكون لمناسبته بين المنزل والمحرم وهذا - و الله أعلم - الخمر كانت قد حرمت قبل ذلك وقد يتأول الناس فيها أن المحرم عينها لا ثمنها كما تأولت اليهود في الشحوم وقد وقع ذلك لبعض المتقدمين فيستحلون المحارم بنوع من التأويل والربا كذلك فإن كثيراً من الناس يتأول في استحلال كثير من المعاملات أنها بيع ليست ربا مع أن معناها معنى الربا فكان تحريمه للتجارة في الخمر إذ ذاك حسماً لمادة التأويل في استحلال المحرمات وكان هذا البيان عقيب آية الربا مناسب لأن الربا آخر ما حرمه الله سبحانه فذكر النبي صلى الله عليه وسلم عقيبه ما دل الأمة على المنبر من التأويلات التي يستباح بها الخمر والربا والزنا وغيرها ثم إنه أخبر في الحديث أن الذين يستحلون هذه المحارم ينحلونها أسماء غير الأسماء الحقيقية يمسخون قردة وخنازير وكذلك عمر -رضي الله عنه- أمر بترك الأشربة المسكرة كلها وبترك الريب التي لا يعلم أنها بيع حلال بل يمكن أنها ربا وهذا كله يدل على تشابه معاني هذه الأحاديث وتوافقها أمراً وأخباراً وهذه الاثار كلها إذا تأملها الفقيه تبين أنها من مشكاة واحدة وعلم أن الاعتبار بحقيقة العقود ومقاصدها التي تؤول إليها والتي قصدت بها وأن الاحتيال لا يرفع بهذه الحقيقة وهذا بيِّنُ إن شاء الله تعالى
الوجه الثاني: عشر أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعادات كما هي معتبرة في التقربات والعبادات فيجعل الشيء حلالاً أو حراماً أو صحيحاً أو فاسداً أو صحيحاً من وجه فاسداً من وجه كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة أو صحيحة أو فاسدة