ذهب طائفة من السلف إلى تحريم لحم الصيد على الْمُحرِمِ مطلقاً وذهب آخرون منهم أبو حنيفة إلى إباحته للمحرم مطلقاً وكان هذا القول أقيس عند من لم يعتبر المقاصد لأن الله سبحانه قال: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ً} المائدة: 96 فحرم على المحرم صيد البر دون طعامه وصيده ما صيد منه حياً وطعامه ما كان قد مات فظهر أنه لم يحرم أكل لحمه لا سيما وقد قال: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً} المائدة: 95 وإنما أراد بالصيد نفس الحيوان الحي فعلم أنه هو المحرم ولو قصد تحريمه مطلقا لقال: لحم الصيد كما قال: لحم الخنزير فلما بينت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى كتاب الله ودلت على أن الصيد إذا صاده الحلال للحرام وذبحه لأجله كان حراماً على المحرم ولو أنه اصطاده اصطياداً مطلقاً وذبحه لكان حلالاً له وللمحرم مع أن الاصطياد والزكاة عمل حسي أثرت النية فيه بالتحليل والتحريم علم بذلك أن القصد مؤثر في تحريم العين التي تباح بدون القصد وإذا كان هذا في الأفعال الحسية ففي الأقوال والعقود أولى. يوضح ذلك أن المحرم إذا صاد الصيد أو أعان عليه بدلالته أو إعارة آلة أو نحو ذلك صدر منه فعل ظهر به تحريم الصيد عليه لكونه استحل بفعل محرم فصار كزكاته مع القدرة عليه في غير الحلق. أما إذا لم يعلم ولم يشعر وإنما الحلال قصد أن يصيده ليضيفه به أو ليهبه له أو ليبيعه إياه فإن الله سبحانه حرمه عليه بنية صدرت من غيره لم يشعر بها لئلا يكون للمحرم سبب في قتل الصيد بوجه من الوجوه وليتم حرمة الصيد وصيانته من جهة المحرم بكل طريق فإذا ذبح الصيد بغير سبب منه ظاهراً ولا باطناً جاز له أن يأكل لحمه ضمناً وتبعاً لا أصلاً وقصداً فإذا كان هذا في الصيد فمعلوم أن من حرم الله سبحانه عليه امرأته بعد الطلاق وأباحها له إذا تزوجت بغيره فهو بمنزلة من حرم الله سبحانه عليه الصيد وأحله له إذا ذبحه غيره فإذا كان ذلك الغير إنما قصد بالنكاح أن تعود إلى الأول فهو كما إذا قصد ذلك الغير بالذبح أن يحل للمحرم فإن المناكح والذبائح من باب واحد كل منهما على الحظر حتى يفعل السبب المبيح على الوجه المشروع ويتأيد هذا من وجه آخر