ليس مقصوده المعاوضة والربح ولهدا شبه بالعارية حتى سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم منيحة ورق فكأنه أعاره الدراهم ثم استرجعها منه لكن لم يمكن استرجاع العين فاسترجع المثل فهو بمنزلة من تبرع لغيره بمنفعة حاله ثم استعاد العين وكذلك لو باعه درهماً بدرهمين كان ربا محرماً ولو باعه درهماً بدرهم ووهبه درهماً هبة مطلقة لا تعلق لها بالبيع ظاهراً ولا باطناً كان ذلك جائزاً فلولا اعتبار المقاصد والنيات لأمكن كل مرب إذا أراد أن يبيع ألفاً بألف وخمسمائة لاختلاف النقد أن يقول: بعتك ألفاً بألف ووهبتك خمسمائة لكن باعتبار المقاصد فعلم أن هذه الهبة إنما كانت لإجل اشترائه منه تلك الألف فتصير داخلة في المعاوضة وذلك أن الواهب لا يهب إلا للأجر فتكون صدقة أو لكرامة الموهوب له فتكون هدية أو لمعنى آخر فيعتبر ذلك المعنى كما لو وهب للمقرض أو وهب لعامل الزكاة شيئاً ونحو ذلك كما سنذكره إن شاء الله تعالى في حديث ابن اللتبية والمقرض المحض ليس له غرض أن يرجع إليه إلا مثل ماله جنساً ونوعاً وقدراً بخلاف البائع فإنه لا يبيع درهماً بدرهم يساويه من كل جهة نسيئة فإن العاقل لا غرض له في مثل هذا وإنما يبيع أحدهما بالآخر لاختلاف الصفة مثل أن يكون أحدهما أرفع سكة أو مصوغاً أو أجود فضة إلى غير ذلك من الصفات فإذا قابلت الصفة جنسها في البيع لم يكن لها قيمة - في باب الغصب والإتلاف والقرض - يعتبرها الشارع لأن العوض هناك ثبت شرعاً لا شرطاً فصار ما اعتبره الشارع في القرض والإتلاف لا يقصد في البيع وما يقصد في البيع أهدره الشارع. ثم الذي يميز بين هذا التصرف وهذا هو القصد والنية فلولا مقاصد العباد ونياتهم لما اختلفت هذه الأحكام ثم الأسماء تتبع المقاصد ولا يجوز لأحد أن يظن أن الأحكام اختلفت بمجرد اختلاف ألفاظ لم تختلف معانيها ومقاصدها بل لما اختلفت المقاصد بهذه الأفعال اختلفت أسماؤها وأحكامها وإنما المقاصد حقائق الأفعال وقوامها وإنما الأعمال بالنيات. ومما يدل على عقود المكره وأقواله مثل: بيعه وقرضه ورهنه ونكاحه وطلاقه ورجعته ويمينه ونذره وشهادته وحكمه وأقراره وردته وغير ذلك من أقواله فإن هذه الأقوال كلها منه ملغاة مهدرة وأكثر ذلك مجمع عليه وقد دل على بعضه القرآن مثل قوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} النحل: 106 وقوله سبحانه: {إِلاَّ