First Previous Next Last

وأما بيع الهازل ونحوه من التصرفات المالية المحضة فإنه لا يصح عند القاضي أبى يعلى وأكثر أصحابه وهذا قول الحنفية في ما أظن وهو قول المالكية وهو قول أبي الخطاب في "خلافه الصغير" وقال في "خلافه الكبير" وهو "الانتصار": يصح بيعه كطلاقه وكذلك خرَّج بعض أصحاب الشافعي هذه المسألة على وجهين ومن قال بالصحة قاس سائر التصرفات على النكاح والطلاق والرجعة.
والفقه فيه أن الهازل أتى بالقول غير ملتزم لحكمه وترتب الأحكام على الأسباب للشارع لا للعاقد فإذا أتى بالسبب لزمه حكمه شاء أو أبى لأن ذلك لا يقف على اختياره وذلك أن الهازل قاصد للقول مريد له مع علمه بمعناه وموجبه وقصدُ اللفظ المتضمن المعنى قصد لذلك المعنى لتلازمهما إلا أن يعارضه قصد آخر كالمكره والمحلل فإنهما قصدا شيئاً آخر غير معنى القول وموجبه فكذلك جاء الشرع بإبطالهما. ألا ترى أن المكره قصد دفع العذاب عن نفسه فلم يقصد السبب ابتداء والمحلل قصده إعادتها إلى المطلق وذلك ينافي قصده لموجب السبب والهازل قصد السبب ولم يقصد حكمه ولا ما ينافي حكمه ولا ينتقض هذا بلغو اليمين فإنه في لغو اليمين لم يقصد اللفظ وإنما جرى على لسانه من غير قصد لكثرة اعتياد اللسان لليمين وأيضا فإن الهزل أمر باطن لا يعلم إلا من جهته فلا يقبل قوله في إبطال حق العاقد الآخر.
ومن فّرق بين النكاح وبابه وبين البيع وبابه قال: الحديث والآثار تدل على أن من العقود ما يكون جده وهزله سواء ومنها ما لا يكون كذلك وإلا لقيل: أن العقود كلها والكلام كله جده وهزله سواء وفرّق من جهة المعنى بأن النكاح والطلاق والعتق والرجعة ونحو ذلك فيها حق الله سبحانه في العتق ظاهر وكذلك في الطلاق فإنه يوجب تحريم البضع في الجملة على وجه لايمكن استباحته ولهذا تجب إقامة الشهادة فيه وإن لم تطلبها الزوجة وكذلك في النكاح فإنه يفيد حل ما كان حراماً على وجه لو أراد العبد حله بغير ذلك الطريق لم يمكن ولو رضي الزوجان ببذل البضع لغير الزوج لم يَجُز ويفيد حرمة ما كان حلالاً وهو التحريم الثابت بالمصاهرة فالتحريم حق لله سبحانه ولهذا لم يُستبح إلا بالمهر وإذا كان كذلك لم يكن للعبد مع تعاطي السبب الموجب لهذا الحكم أن يقصد عدم الحكم