كما ليس له ذلك في كلمات الكفر قال سبحانه: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} التوبة: 6566 لأن الكلام المتضمن لمعنى فيه حق لله سبحانه لا يمكن قبوله مع دفع ذلك الحق فإن العبد ليس له أن يهزل مع ربه ولا يستهزىء بآياته ولايتلاعب بحدوده ولعل حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بأياته" في الهازلين بمعنى أنهم يقولونها لعباً غير ملتزمين لحكمها وحكمها لازم لهم بخلاف البيع ونحوه فإنه تصرف في المال الذي هو محض حق الآدمي ولهذا يملك بذله بعوض وبغير عوض والإنسان قد يلعب مع الإنسان ويتبسط معه فإذا تكلم على هذا الوجه لم يلزمه حكم الجاد لأن المزاح معه جائز.
وحاصل الأمران اللعب والهزل والمزاح في حقوق الله غير جائز فيكون جد القول في حقوقه وهزله سواء بخلاف جانب العباد ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأعرابي يمازحه: "من يشتري مني العبد فقال: تجدني رخيصاً فقال: "بل أنت عند الله غال" وقصد النبي صلى الله عليه وسلم أنه عبد الله والصيغة صيغة استفهام فلا يضر لأنه يمزح ولا يقول إلا حقاً ولو أن أحداً قال على سبيل المزاح: من يتزوج امرأتي ونحو ذلك لكان من أقبح الكلام بل قد عاب الله من جعل امرأته كأمِّه وكان عمر -رضي الله عنه- يضرب من يدعو امرأته أخته وجاء ذلك في حديث مرفوع وإنما جاز ذلك لإبراهيم صلى الله عليه وسلم عند الحاجة لا في المزاح فإذا كان المزاح في البيع في غير محله جائزاً وفي النكاح ومثله لا يجوز فظهر الفرق.
ومما يوضح ذلك: أن عقد النكاح يشبه العبادات في نفسه بل هو مقدم على النوافل ألا ترى أنه يستحب عقده في المساجد والبيع قد نهى عنه في المسجد ولهذا اشترط من اشترط له العربية من الفقهاء إلحاقا له بالأذكار المشروعة مثل: الأذان والتكبير في الصلاة والتلبية والتسمية على الذبيحة ونحو ذلك ومثل هذا لا يجوز الهزل فيه فإذا تكلم الرجل فيه رتب الشارع على كلامه وحكمه وإن لم يقصد هو