وقد ذكرنا هنا السنة والآثار الدالة على صحة نكاح الهازل ثم السنة وأقوال الصحابة نصوص في أن قصد التحليل مانع من حلها للزوج الأول على ما سيأتي إن شاء الله تعالى وممن نقل عنه الفرق عمر وعلي وابن مسعود -رضي الله عنهم- مع السنة ونكاح المحلل من أجود الحيل عند القائلين بها فإذا بطل فما سواه من الحيل أبطل فعلم أن الهزل لا يقدح في اعتبار القصد لئلا تتناقض الأدلة الشرعية.
الثاني: إنما ذكرنا أن القصد معتبر في العقود ومؤثر فيها ولم نقل إن عدم القصد مؤثر فيها والهازل ونحوه لم يوجد منهم قصد يخالف موجب العقد ولكن لم يوجد منهم القصد إلى موجب العقد وفرق بين عدم قصد الحكم وبين وجود قصد ضده وهذا ظاهر فإنه لا بد في العقود وغيرها من قصد التكلم وإرادته فلو فرض أن الكلمة صدرت من نائم أو ذاهل أو قصد كلمة فجرى على لسانه بأخرى أو سبق بها لسانه من غير قصد لها لم يترتب على مثل هذا حكم في نفس الأمر قط وأما في الظاهر ففيه تفصيل ليس هذا موضعه والكلام يكون بقدرة الله تعالى عن عمل اللسان وحركته وإن كان نفس الحركة المقتضية تسمى كلامًا أيضًا فإذا عمله لم يقصد موجبه ومقتضاه كان هازلاً لاعباً فإنه عمل عملاً لم يقصد به شيئاً من فوائده الشرعية ولم يقصد ما ينافي فوائده الشرعية فهنا أمكن ترتب الفائدة على قوله من غير قصد لأنه أتى بالقول المقتضى فترتب عليه مقتضاه ترتباً شرعياً لوجود المقتضى السالم عن المعارض واذا قصد المنافي فقد عارض المقتضى ما يخرجه عن أن يكون مقتضياً فكذلك لم يصح وقد تقدم بسط هذا الوجه.
الثالث: إن الهازل لو وصل قوله بلفظ الهزل مثل أن يقول: طلقتك هازلاً أو طلقتك غير قاصد لوقوع الطلاق ونحو ذلك لم يمتنع وقوع الطلاق وكذلك على قياسه لو قال: زوجتك هازلاً أو: زوجتك غير قاصد لأن تملك المرأة فأما لو قال: زوجتك على أن تحلها بالطلاق بعد الدخول أو: على أن تطلقها إذا أحللتها لم يصح فإذا ثبت الفرق بينهما لفظاً فثبوته بالبينة مثله سواء بل أولى وسر هذا الفرق مبني على ما قبله فإن الهازل مع عدم قصد مقتضى اللفظ والعدم لو أظهره لم يكن شرطاً في العقد والمحلل ونحوه معه قصد ينافي المقتضى ينافي المقتضى لو أظهره كان شرطاً