مقصوده المباين لمقصود الشارع ويمنع الثاني من حصول مقصوده الذي هو اللعب. ثم إن كان منعه من مقصوده بإبطال العقد من جميع الوجوه أو من بعضها أو بصحة العقد شرع ذلك والمحلل إنما يمنع المقصود الباطل بإبطال العقد مطلقاً وإلا فتصحيح النكاح مستلزم لحصول مقصوده ولما لحظ بعض أهل الرأي هذا رأى أن يصحح النكاح ويمنع حصول الحل كما يوقع الطلاق في المرض ويوجب الميراث. لكن هذا ضعيف هنا لأنه كان ينبغي أن لا يلعن إلا المحلل له فقط إذا كان نكاح المحلل صحيحاً مفيدا للحل لنفسه ولكان لا ينبغي أن يسمى تيساً مستعاراً لأنه زوج من الأزواج غير أن نكاحه لم يفد الحل المطلق كالنكاح قبل الدخول ثم إن مادة الفساد إنما تنحسم بتحريم العقدين معا والطلاق لا ينقسم إلى صحيح وفاسد ولهذا إذا وقع مع التحريم وقع كطلاق البدعة بخلاف النكاح فإنه إذا وقع مع التحريم كان فاسداً كالنكاح في العدة فلما منع الشارع مقصود المحلل منع أيضاً مقصود الهازل وهو اللعب بالعقود من غير اقتضاء لأحكامها فأوجب أحكامها معها وهذا كلام متين إذا ئأمله اللبيب تفقه في الدين وعلم أن من أمعن النظر وجد الشريعة متناسبة وأن تصحيح نكاح الهازل ونحوه من أقوى الأدلة على بطلان الحيل وكذلك نكاح التلجِئة إذا قيل بصحته فإن التلجئة نوع من الحيل بإظهار صورة العقد لسمعة ولا يلتزمون موجبها بإبطال هذه الحيل بأن يلتزموا موجبه حتى لا يجترىء أحد أن يعقد العقد إلا على وجه لرغبة في مقصودها دون الاحتيال بها إلى غير مقاصدها.
ومما يقارب هذا أن كلمتي الكفر والإيمان إذا قصد الإنسان بهما غير حقيقتهما صح كفره ولم يصح إيمانه فإن المنافق قصد بالإيمان مصالح دنياه من غير حقيقة لمقصود الكلمة فلم يصح إيمانه والرجل لو تكلم بكلمة الكفر لمصالح دنياه من غير حقيقة اعتقاد صح كفره باطناً وظاهراً وذلك لأن العبد مأمور بأن يتكلم بكلمة الإيمان معتقداً لحقيقتها وأن يتكلم بكلمة الكفر أو الكذب جاداً ولا هازلاً فإذا تكلم بالكفر أو الكذب جاداً أو هازلاً كان كافراً أو كاذباً حقيقة لأن الهزل بهذا الكلمات غير مباح فيكون وصف الهزل مهدراً في نظر الشرع لأنه محرم فتبقى الكلمة موجبة لمقتضاها.