First Previous Next Last

من المأثم بطريق مشروع يقصد به ما شرع له فهذا هو الذي كانوا يفتون به وهو من الدعاء إلى الخير والدلالة عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: "بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً" وكما قال عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب: أن أوراقنا تزيف علينا أفنزيد عليها ونأخذ ما هو أجود منها قال: لا ولكن ائْتِ النقيعَ فاشتري بها سلعة ثم بعها بما شئت وكما قال علي رضي الله عنه: إذا كان لأحدكم دراهم لا تنفق فليبتع بها ذهباً وليبتع به ما شاء رواهما سعيد فهذا يبيع بيعاً بتاتاً مقصوداً ويستوفي الثمن ثم يشتري به ما أحب من غير ذلك المشتري فأما إن كان من ذلك المشتري فإنهم كرهوه حيث يكون في مظنة أن يبتاع البيع الأول ورخص فيه من لم يعتبر ذلك قال محمد بن سيرين: كان يكره للرجل أن يبتاع من الرجل الدراهم بالدنانير ثم يشتري منه بالدراهم دنانير والبيع طريق مشروع لحصول الملك ظاهراً وباطناً بحيث لا يبقى للبائع فيه علاقة فإذا سلك وقصد به ذلك فهذا جائز وليس مما نحن فيه فإنه يقصد به المقصود الشرعي وليس هذا موضع تفصيل ذلك فإنه سيأتي إن شاء الله إيضاح ذلك وبالجملة فقد نصب الشارع إلى الأحكام أسباباً يقصد محصول تلك الأحكام فمن دل عليها وأمر بها من لم يتفطن لها ممن يقصد الحلال ليقصد بها المقصود الذي جعلت من أجله فهذا مُعَلِّمُ خير وكذلك ما شاكل هذا وهذا هو الذي تقدم ذكره عن الإمام أحمد في أول الكتاب لما ذكر أن حيلة المسلمين أن يتبعوا ما شرع لهم فيسلكوا في حصول الشيء الطريق الذي يشرع لتحصيله دون ما لم يقصد الشارع به ذلك الشيء فثبت بما ذكرناه أنه لم يحكِ أحد من القائلين بالحيل والمنكرين لها عن أحد من الصحابة الافتاء بشيء من هذه الحيل التي يقصد بها الاستحلال بالطرق المدلسة التي لا يقصد بها المقصود الشرعي وهذا هو المقصود هنا وسنطيل إن شاء الله الكلام للفرق بين الطرق المبينة والطرق المدلسة والفرق بين مخادعة الظالم للخلاص منه ومخادعة الله سبحانه في دينه لئلا يظن بما يحكي عنهم في أحد القسمين أنهم دخلوا في القسم الآخر ومع أنهم لم يفتوا بشيء من هذه الحيل مع قيام المقتضى لها لو كانت جائزة فقد أفتوا بتحريمها والانكار لها في قضايا متعددة وأوقات متفرقة وأمصار متباينة يعلم مع ذلك أن إنكارها كان مشهوراً بينهم ولم يخالف هذا الانكار أحد