منهم وهذا مما يعلم به اجتماعهم على إنكارها وتحريمها وهذا أبلغ في كونها بدعة محدثة فإن أقبح البدع ما خالفت كتاباً أو سنة أو جماعاً.
الوجه الثاني: في تقرير أنها بدعة وهو أنه لا يستريب عاقل في أن الطلاق الثلاث ما زال واقعاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه وما زال المطلقون يندمون ويتمنون المراجعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم أنصح الناس لأمته وكذلك أصحابه أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً فلو كان التحليل يحللها له لكانوا ولا شك أن يدلوا عليه ولو واحداً فإن الدواعي إذا توافرت على طلب فعل وهو مباح فلا بد أن يوجد فلما لم ينقل عن أحد منهم الدلالة على ذلك بل الزجر عنه علم أن هذا لا سبيل إليه وهذه امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن تزوجت عبد الرحمن بن الزَّبير وطلقها قبل الوصول إليها وجعلت تختلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم إلى خليفته تتمنى مراجعة رفاعة وهم يزجرونها عن ذلك وكأنها كرهت أن تتزوج غيره فلا يطلقها وكانت راغبة في رفاعة فلو كان التحليل ممكناً لكان أنصح الأمة لها يأمرها أن تتزوج بمحلل فإنها لن تعدم أن تُبَيِّتُه عندها ليلة وتعطيه شيئاً فلما لم يكن شيء من ذلك علم كل عاقل أن هذا لا سبيل إليه وسيأتي إن شاء الله ذكر قصتها ومن لم تسعه السنة حتى تعداها إلى البدعة مَرَقَ من الدين ومن أطلق للناس ما لم يطلقه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود المقتضى للإطلاق فقد جاء بشريعة ثانية ولم يكن متبعاً للرسول فلينظر أمرء أين يضع قدمه. وكذلك يعلم أن القوم كانت التجارة فيهم فاشية والربح مطلوب بكل طريق فلو كانت هذه المعاملات التي تقصد بها ما يقصد من ربح دراهم في دراهم باسم البيع جائز ولا شك أن يفتوا بها وكذلك الاختلاع لحل اليمين وبالجملة الأسباب المحوجة إلى هذه الحيل مازالت موجودة فلو كانت مشروعة لنبه الصحابة عليها فلما لم يصدر منهم إلا الإنكار بحقيقتها مع وجود الحاجة في زعم أصحابها إليها علم قطعا أنها ليست من الدين وهذا قاطع الاخفاء به لمن نور الله قلبه.
الوجه الثالث: إن هذه الحيل أول ما ظهر الافتاء بها في أواخر عصر التابعين أنكر ذلك علماء ذلك الزمان مثل أيوب السختياني وحماد بن زيد ومالك بن أنس