والثاني: النصيحة لله سبحانه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وإبانة ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى.
ولا منافاة أن الله سبحانه بين القسمين لمن شرح الله صدره وإنما يضيق عن ذلك أحد رجلين: رجل جاهل بمقاديرهم ومعاذيرهم أو رجل جاهل بالشريعة وأصول الأحكام وهذا المقصود يتلخص بوجوه:
أحدها: إن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لا يجوز أن يتبع فيها مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين واعتبر ذلك بمناظرة الإمام عبد الله بن المبارك قال: كنا بالكوفة فناظروني في ذلك يعني النبيذ المختلف فيه فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم على من يشاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالرخصة فإن لم يتبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحت عنه فاحتجوا فما جاؤوا عن أحد برخصة إلا جئناهم بشدة فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس احتجاجهم عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه إنما يصح عنه أنه لم ينبذ له في الجر إلا حذر قال ابن المبارك: فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق عد إن ابن مسعود لو كان ها هنا جالساً فقال: هو لك حلال وما وصفنا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر أو تجر أو تخشى فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن فالنخعي والشعبي وسمى عدة معهما كانوا يشربون الحرام فقلت لهم: عدوا عند الاحتجاج تسمية الرجال فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا وعسى أن يكون منه زلة أفلأحد أن يحتج بها فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة قالوا: كانوا خياراً قلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يداً بيد فقالوا: حرام! فقال ابن المبارك: إن هؤلاء رأوه حلالاً فماتوا وهم يأكلون الحرام فبقوا وانقطعت حجتهم. قال ابن المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أنشد الشعر فقال لي: يا بني لا تنشد الشعر! فقلت له: يا أبت كان الحسن ينشد وكان ابن سيرين ينشد فقال لي: أي بني! إن أخذت بشَرِّ ما في الحسن وبشَرِّ ما في ابن