First Previous Next Last

والثاني: إنه يصرف في الحال فإذا مات الواقف صرف إلى تلك الجهة الصحيحة جعلا له بمنزلة المعلق على شرط وكذلك جعل في تعليق الواقف بالشرط وجهان لتَّردده بين شبه العتق والتحرير وبين شبه الهبة والتمليك فإن قيل: فإن أقرَّ من في يده عقار أنه وقف عليه من غيره ثم على جهة متصلة وكان قد جعل هذا حيلة لوقفه على نفسه من غير أن يكون قد وقفه عليه أحد فما حكم ذلك في الباطن وحكم من علم ذلك من الموقوف عليه قيل: هذا أيضاً إنما قصد إنشاء الوقف فيكون كمن أقر بطلاق أو عتاق ينوي به الإنشاء لأن الوقف ينعقد باللفظ الصريح وباللفظ الكناية مع النية ويصح أيضاً بالفعل مع النية عند الأكثرين فإذا كان مقصوده هو الوقف على نفسه وتكلم بقوله: هذا وقف علي ثم على كذا وكذا ومَيَّزَه بالفعل عن ملكه صار كما لو قال: وقفته على نفسي ثم على كذا وكذا لأَنَّ الإقرار يجوز أن يكون كتابة في الإنشاء يجوز أن يقصد به الأخبار فإذا قصد به ديناً بخلاف ما لو كان إقراراً محضاً وهو يعلم كذب نفسه فيه كان وجود هذا الإقرار كعدمه فيما بينه و بين الله ففرق بين إقرار قصد به الأخبار عما مضى وإقرار قصد به الإنشاء وإنما ذكر بصيغة الأخبار لغرض من الأغراض.
ومما يوضح هذا أن صيغ العقود قد قيل: هي إنشاءات وقيل: إخبارات - وهي في الحقيقة إخبار عن المعاني التي في القلب وتلك المعاني إنشاءات فاللفظ خبر والمعنى إنشاء إنما يتم حكمه باللفظ فإذا أخبر أن هذا المكان وقف عليه وهو يعلم أن غيره لم يقفه عليه بل هو كاذب في هذا وإنما مقصوده أن يصير هو واقفاً له فقد أجمع لفظ الإخبار وإرادته الوقف فلو كان أخبر عن هذه الإرادة لم يكن فيه ريب أنه إنشاء وقف لكن لما كان اللفظ إخباراً عن غير ما عناه والذي عناه لم يلفظ به صارت المسألة محتملة لكن هذه النية مع هذا اللفظ ونحوه ومع الفعل الذي لو تجرد عن لفظ كان مع النية بمنزلة المتكلم بالوقف يوجب هذا وقفاً وهذا المعنى ينبني على ماتقدم قبل هذا وإذا كان هذا إنشاء للوقف فحكمه على ما تقدم و الله سبحانه أعلم.