First Previous Next Last

محموداً أيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحرب خِدْعة" وكان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها والناس في التلطف وحسن التحيل على حصول ما فيه رضى الله ورسوله أو دفع ما يكيد الإسلام وأهله سعي مشكور.
والحيلة مشتقة من التحول وهو النوع من الحول كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود والأكلة والشربة من الأكل والشرب ومعناها نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي هو التحول من حال إلى حال هذا مقتضاه في اللغة. ثم غلبت بعرف الاستعمال على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض وبحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة فإن كان المقصود أمراً حسناً كانت حيلة حسنة وإن كان قبيحاً كانت قبيحة ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلون محارم الله بأدنى الحيل" صارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت قصد في الحيل التي يستحل بها المحارم كحيل اليهود وكل حيلة تضمنت إسقاط حق الله أو الآدمي فهي تندرج فيما يستحل بها المحارم فإنّ ترك الواجب من المحارم. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الحرب خدعة ثم إن الخداع في الدين محرم بكتاب الله وسنة رسوله وقالت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط -وكانت من المهاجرات-: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً" متفق عليه وفي رواية لمسلم: "ولم يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث يعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل أمرأته وحديث المرأة زوجها" وفي رواية له: قال الزهري: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس أنه كذب إلا في ثلاث وعن أسماء بنت يزيد بن السكن: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: "أيها الناس ما يحملكم على أن تتابعوا في الكذب كما يتتابع الفراش كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاث خصال: رجل كذب أمرأته ليرضيها ورجل كذب بين امرِأين ليُصلِحَ بينهما ورجل كذب في خدعة حرب" رواه الترمذي بنحوه ولفظه: "لا يحل الكذب إلا في ثلاث" وقال: حديث حسن ويروى -أيضاً- عن ثوبان موقوفاً ومرفوعاً: "الكذب كله إثم إلا ما ينفع به المسلم أو دفع به عن دين" فلم يرخص فيما تسميه الناس كذباً وإن كان صدقاً في العبارة ولهذا لما قال النبي