First Previous Next Last

صلى الله عليه وسلم: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات قوله لسارة: أختي وقوله: بل فَعَلَهُ كبيرهم هذا وقوله إني سقيم" والثلاث معاريض وملاحه فإنه قصد باللفظ ما يطابقه في عبارته لكن لما أفهم المخاطب ما لا يطابقه سمي كذباً ثم هذا الضرب قد ضيق فيه كما ترى. يؤيد هذا التفسير ما روى مالك عن صفوان بن سليم: أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أكذِبُ امرأتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا خير في الكذب" فقال الرجل: أعدها وأقول لها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا جناح عليك" وسيجيء كلام ابن عيينة في ذلك
وبالجملة يجوز للإنسان أن يظهر قولاً وفعلاً مقصوده به مقصود صالح وإن ظن الناس أنه قصد به غير ما قصد به إذا كانت فيه مصلحة دينية مثل: دفع ظلم عن نفسه أو عن مسلم أو دفع الكفار عن المسلمين أو الاحتيال على إبطال حيلة محرمة أو نحو ذلك فهذه حيلة جائزة وإنما المحرم مثل أن يقصد بالعقود الشرعية ونحوها غير ما شرعت العقود له فيصير مخادعاً لله كما أن الأول خادع الناس ومقصوده حصول الشيء الذي حرمه الله لولا تلك الحيلة وسقوط الشيء الذي يوجبه الله تعالى لولا تلك الحيلة كما أن الأول مقصوده إظهار دين الله ودفع معصية الله ونظير هذا أن يتأول الحالف في يمينه إذا استحلفه الحاكم لفصل الخصومة فإن يمينك على ما يصدقك به صاحبك والنية للمستحلف في مثل هذا باتفاق المسلمين ولا ينفعه التأويل وِفَاقاً وكذلك لو تأول من غير حاجة لم يجز عند الأكثر من العلماء بل الاحتيال في العقود أقبح من حيث أن الْمُخَادَعَ فيها هو الله تعالى ومن خادع الله فإنما خدع نفسه وما يشعر ولهذا لا يبارك لأحد في حيلة استحل بها شيئاً من المحرمات ويتبين الحال بذكر أقسام الحيل أقسام الحيل فنقول: هي أقسام: أحدها: الطرق الخفية التي يتوسل بها إلى ما هومحرم في نفسه بحيث لا تحل بمثل ذلك السبب بحال فمتى كان المقصود بها حراماً في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين وصاحبها يسمى داهية ومكاراً وذلك من جنس الحيل على هلاك النفوس