First Previous Next Last

إذ العقود إنما تعقد لفوائدها وثمراتها والفسوخ رفع للثمرات والفوائد فلا يقصد أن يكون الشيء الواحد موجوداً معدوماً فَعُلِمَ أنه إنما قصد التكلم بصورة العقد والفسخ ولم يقصد حكم العقد فلا يثبت حكمه ولهذا جاء في الآثار تسميته مخادعاً ومدلساً ولا يقال: مقصوده ما يحصل بعد الفسخ من الحل للمطلق لأن الحل إنما يثبت إذا ثبت العقد ثم انفسخ ومقصود العقد حصول موجبه ومقصود الفسخ زوال موجب العقد فإذا لم يقصد ذلك فلا عقد فلا فسخ فلا يترتب عليه تابعه وهذا بيِّن لمن تأمله ولهذا يسمَّى مثل هذا متلاعباً مستهزأً بآيات الله سبحانه. وبهذا يظهر الجواب عن المقاصد الفرعية في النكاح مثل مصاهرة الأول وتربية الأخوات فإن تلك المقاصد لا تنافي النكاح بل تستدعي بقاءه ودوامه فهي مستلزمة لحصول موجب العقد وهكذا كل ما يذكر من هذا الباب فإن الشيء يفعل لأغلب فوائده ولا تزال فوائده بحيث لا تكون تلك المقاصد ملغية لحقيقته بل مجامعة لها مستلزمة إياها أما أن تفعل لرفع حقيقته وتوجد لمجرد أن تعدم فهذا هو الباطل وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين شراء العبد ليعتقه أو الطعام ليتلفه فإن قصد العتق والإتلاف لا ينافي قصد البيع وفسخٍ له وإنما ينافي بقاء الملك ودوامه والأموال لا يقصد بملكها بقاؤها فإن الانتفاع بأعيانها ومنافعها لا يكون إلا بإزالة المالية عن الشيء المنتفع به فإنها تقصد للانتفاع بذاتها كالأكل أو ببذلها الديني أو الدنيوي كالبيع والعتق أو بمنفعتها كالسكن وجميع هذه الأشياء لا توجب فسخ العقد والإيضاح ولا ينتفع بها إلا مع بقاء الملك عليها فلهذا امتنع أن يقصد بملكها الانتفاع بتلف عينها أو ببذل العين وأن ذلك غير واقع في الشريعة وقصد الفسخ في العقد محال في النكاح والبيع لم يبق إلا قصد الانتفاع مع بقاء الملك ونكاح المحلل ليس كذلك على مالا يخفى.
وقولهم: إن قصد تراجعهما قصد صالح لما فيه المنفعة. قلنا: هذه مناسبة شهد لها الشارع بالإلغاء والإهدار ومثل هذا القياس والتعليل هو الذي يحل الحرام ويحرم الحلال والمصالح والمناسبات التي جاءت الشريعة بما يخالفها إذا اعتبرت فهي مراغمة بَيِّنَةٌ للشارع مصدرها عدم ملاحظة حكمة التحريم وموردها عدم مقابلته بالرضى والتسليم وهي في الحقيقة لا تكون مصالح وإن ظنها مصالح ولا تكون مناسبة للحكم