عن الكذب وهذا إذا احتاج إلى الخطاب فأما الابتداء: بذلك فهو أشد ومن رخص في الجواب قد لا يرخص في ابتداء الخطاب كما دل عليه حديث أم كلثوم: أنه لم يرخص فيما يقول الناس إلا في ثلاث.
وفي الجملة فالتعريض مضمونه أنه قال قولاً فَهِمَ منه السامع خلاف ما عناه القائل إما لتقصير السامع في معرفة دلالة اللفظ أو لتبعيد المتكلم وجه البيان وهذا غايته أنه سبب في تجهيل المستمع باعتقاد غير مطابق وتجهيل المستمع بالشيء إذا كان مصلحة له كان عمل خير معه فإن من كان علمه بالشيء يحمله على أن يعصي الله سبحانه كان أن لا يعلمه خيراً له ولا يضره مع ذلك أن يتوهمه بخلاف ما هو إذا لم يكن ذلك أمر يطلب معرفته وان لم يكن مصلحة له بل مصلحة للقائل كان أيضاً جائزاً لأن علم السامع إذا فوت مصلحة على القائل كان له أن يسعى في عدم علمه وإن أفضى إلى اعتقاد غير مطابق في شيء سواء عرفه أو لم يعرفه فالمقصود بالمعاريض فعل واجب أو مستحب أو مباح أبيح الشارع السعي في حصوله ونصب سبباً يفضي إليه أصلاً وقصداً فإن الضرر قد يشرع للإنسان أن يقصد دفعه ويتسبب في ذلك ولم يتضمن الشرع النهي عن دفع الضرر فلا يقاس بهذا إذا كان المحتال عليه سقوط ما نص الشارع وجوبه وتوجه وجوبه كالزكاة والشفعة بعد انعقاد سببهما أو حل ما قصد الشارع تحريمه وتوجه تحريمه من الزنا والمطلقة ونحو ذلك. ألا ترى أن مصلحة الوجوب هنا تفوت ومفسدة التحريم باقية والمعنى الذي لأجله أوجب الشارع موجود فوات الوجوب والمعنى الذي لأجله حرم موجود مع فوات التحريم إذا قصد الإحتيال على ذلك وهناك رفع الضرر معنى قصد الشارع حصوله للعبد وفتح له بابه فهذا من جهة المحتال عليه وأما من جهة المحتال به فإن المعترض إنما تكلم بحق ونطق بصدق فيما بيَّنه الله سبحانه لا سيما إن لم ينو باللفظ خلاف ظاهره في نفسه وإنما كان الظهور من ضعف فهم السامع وقصوره في معرفة دلالة اللفظ ومعاريض النبي صلى الله عليه وسلم ومزاحه عامته كان من هذا النوع مثل قوله: "نحن من ماء" وقوله: "إنا حاملوك على ولد الناقة": "وزوجك الذي في عينه